بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ٢٥٧ - الكلام على حديث الإفك و خبر ذلك
فأنزل اللّه عز و جل «إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ» العشر الآيات فلما أنزل اللّه هذا فى براءتي قال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه و كان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه و فقره و اللّه لا أنفق على مسطح شيأ أبدا بعد ما قال لعائشة ما قال فأنزل اللّه تعالى «وَ لا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ السَّعَةِ» الى قوله «غَفُورٌ رَحِيمٌ» فقال أبو بكر بلى و اللّه إني لاحب أن يغفر اللّه لى فرجع الى مسطح الذي كان يجرى عليه و قال و اللّه إنى لا أنزعها منه أبدا قالت عائشة و كان رسول اللّه ٦ يسأل زينب بنت جحش عن أمرى فقال يا زينب ما علمت ما رأيت قالت يا رسول اللّه أحمي سمعى و بصرى و اللّه ما علمت عليها الا خيرا قالت عائشة و هى التي كانت تساميني من أزواج النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) فعصمها اللّه بالورع قالت و طفقت أختها حمنة تجاوب لها فهلكت و كان نزول براءة عائشة بعد قدومهم المدينة بسبع و ثلاثين ليلة (و أنزل اللّه عز و جل الى آخره) قال في التوشيح قال الزمخشري لم يقع في القرآن من التغليظ في معصية ما وقع في قصة الإفك بأوجز عبارة و أشبهها لاشتماله على الوعيد الشديد و العتاب البليغ و الزجر العنيف و استعظام ذلك و استبشاعه بطرق مختلفة و أساليب متفقة كل واحد منها كاف في بابه بل ما وقع من وعيد عبدة الاوثان الا بما هو دون ذلك و ما ذاك الا لاظهار علو منزلة رسول اللّه ٦ و يظهر من هو منه بسبيل إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ أي بالكذب سمى افكا لكونه مصروفا عن الحق (عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) أى جماعة (العشر الآيات) الى قوله وَ أَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (فائدة) قال بحرق في سيرته لا يخفي ان بين حديث نزول سورة المنافقين و حديث الإفك مناسبة من وجوه منها انهما وقعا معا في الرجوع من غزوة واحدة و منها ان سورة المنافقين في براءة زيد بن أرقم عن الإفك و هو الكذب المتهم به و حديث الإفك في براءة عائشة مما قذفت به انتهى قلت و منها تقاربهما في عدد الآي و منها تكذيب ابن أبى فيها فقال تعالى في الإفك فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ و قال في سورة المنافقين وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (و كان ينفق على مسطح الى آخره) قال في التوشيح يؤخذ منه مشروعية تلك المؤاخذة بالذنب ما دام احتمال عدمه موجودا لان أبا بكر لم يقطع نفقته عن مسطح الا بعد تحقق ذنبه فيما وقع منه (فانزل اللّه و لا يأتل) أي لا يحلف و الالية اليمين قال ابن المبارك هذه أرجى آية في كتاب اللّه (فرجع) أي رد (أحمي سمعى بصري) من الحماية أي لا أقول سمعت و لم أسمع و أبصرت و لم أبصر (تسامينى) تعاليني من السمو و هو العلو أى تطلب ما أطلب من العلو و الرفعة و الحظوة عند رسول اللّه ٦ و لابن اسحاق في السيرة تناصبنى من المناصبة بالنون و المهملة و الموحدة قال السهيلى و المعروف في الحديث انه بالتحتية بدل الموحدة من المناصاة و هى المساواة (فطفقت) بكسر الفاء على المشهور و حكي فتحها أي جعلت و شرعت (حمنة) بفتح المهملة و سكون الميم و كانت تحت طلحة بن عبيد اللّه تزوجها بعد مصعب بن عمير (تجاوب لها) أي تجادل و تغضب لاختها و تذكر حديث الإفك لتنحط منزلة عائشة و تعلو منزلة أختها (فهلكت)