بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ٢٣٦ - تتمة في الكلام علي تارك الصلاة
و بقى من وقتها ما لو اشتغل بادائها فاته الحج قالوا ليس له تركها و لا ان يصليها صلاة شدة الخوف على الاصح لانها أفضل من الحج و وقتها مضيق و الحج موسع بالعمر و من اخلاق العامة عظيم انكارهم على المفطر في رمضان من غير عذر و تركهم النكير على تارك الصلاة و ليسا في التغليظ سواء و من اخلاقهم أيضا انكارهم على تارك الجمعات و لا ينكرون على تارك الجماعات و شأنهما واحد و ما أجدر تارك الصلاة بأن يجنب مساجد المسلمين و محاضرهم الكريمة و يستقذر مواكلته و مناكحته و يبكت و يقرع و يعرف سوء حاله و انه مباح الدم فربما ينزجر عن ذلك الناس يعترفون فيها بذنوبهم أو من العرف و هو الطيب أقوال (قالوا ليس له تركها) بل يصلي و ان فاته الحج و هذا ما قال الرافعي في الشرح و المحرر و قرره النووى في المنهاج (و لا ان يصليها صلاة شدة الخوف على الاصح) لانه طالب لا فار فلا يقاس عليها و صحح الشيخ عز الدين بن عبد السلام في القواعد انه يصليها كذلك و بقى في المسألة وجه ثالث لم يذكره المصنف و هو وجوب تأخير الصلاة ليدرك الحج و هذا الوجه هو الذي رجحه الامام النووي في الروضة و قال انه الصواب و جزم به القاضي حسين في تعليقه و جرى عليه ابن الرفعة و الاسنوي و غيره من المتأخرين و هو المعتمد و ذلك لان قضاء الحج صعب بخلافها و قد عهد تأخيرها للجمع و تجرى الاوجه كما قال الجزري و غيره في الاشتغال بانقاذ غريق و صلاة على ميت خيف انفجاره (و وقتها مضيق و الحج موسع بالعمر) هذا عند النووي و موافقيه منقوضة بأنه اذا فاته الحج يضيق عليه قضاؤه (و ليسا في التغليظ سواء) و ان كان ترك كل منهما كبيرة بدليل القتل بتركها (الجمعات) بضم الجيم و الميم جمع جمعة بضم الميم و اسكانها و فتحها و حكي كسرها و كانوا في الجاهلية يسمونها عروبة و السبت شبارا و الاحد أوّل و الاثنين اهون و الثلثاء دبارا و الاربعاء جبارا و الخميس مؤنسا قال الشاعر
أؤمل ان أعيش و ان يومي* * * بأول أو بأهون أو دبار
أو الثاني جبار فان أفته* * * فمؤنس أو عروبة أو شبار
(و شأنهما واحد) أى من حيث ان التسامح بالجماعة يدل على قلة المبالاة بالفضائل و الا فليس شأنهما واحدا في الاثم بالترك الاعلى القول بان الجماعة فرض عين و ذلك عندنا وجه ضعيف أما على القول بانها سنة كما قاله الغزالى و البغوي و الرافعى و غيرهم فلا يخفى الحكم و أما على القول بانها فرض كفاية كما هو الاظهر و عليه الاكثرون و صححه النووى في جميع كتبه فلا يتأتى ذلك الا اذا تركت أصلا فان قام بها بعض الناس سقط الحرج عن غيره كما هو شأن فرض الكفاية (و ما أجدر) أي ما أحق و أحرى (تارك) بالنصب على التعجب (يجنب) أي يؤمر باجتناب (مساجد المسلمين و محاضرهم) أى مواضع حضورهم (فيبكت) بالموحدة و آخره فوقية (و يقرع) بالقاف فالراء فالمهملة و التبكيت و التقريع و التوبيخ و التثريب الملامة (التوفيق) خلق قدرة الطاعة في العبد و ضده الخذلان و العياذ باللّه قال بعض العلماء من عزة التوفيق لم يذكر في القرآن بمعناه الا في موضع واحد و هو قوله تعالى وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ و ذكر في موضعين آخرين بغير معناه و هو قوله تعالى إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما و قوله إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً