بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ١١٥ - الكلام على وفات عمه أبى طالب و السيدة خديجة و حزنه
انه لما احتضر أبو طالب جاءه النبي (صلى اللّه تعالى عليه و آله و سلم) و عنده ابو جهل و عبد اللّه ابن أبى أمية فقال له أي عم قل لا إله إلا اللّه كلمة أحاجّ لك بها عند اللّه فقالا له يا أبا طالب أ ترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به هو على ملة عبد المطلب فقال النبيّ لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فنزلت ما كان للنبي و الذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين و لو كانوا أولى قربى الآية و نزلت انك لا تهدي من أحببت و في رواية لمسلم قال لو لا أن تعيرنى قريش يقولون انما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك و ان العباس ابن عبد المطلب قال للنبي (صلى اللّه تعالى عليه و آله و سلم) ما أغنيت عن عمك فانه كان يحوطك و يغضب لك قال هو في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه تغلي منه أم دماغه* و هذا مطابق لقوله خلق (فائدة) اختلف في الافضل من التابعين هل هو سعيد أم أويس القرني و جمع النووي و غيره بين القولين بان كلا منهما أفضل من الآخر من حيثية فالاول من حيثية العلم و الثاني من حيثية الزهد في الدنيا (قلت) و هذا الجمع محتاج الى أن يقال بافضلية أحدهما أو الى استوائهما و يظهران سعيدا أفضل من أويس على الاطلاق لان فضيلة العلم لا توازيها فضيلة الزهد على انا نقول بغلية الظن ان سعيدا شارك أويسا في تلك الفضيلة و لا عكس (احتضر) بالبناء للمفعول أي حضرته الوفاة (كلمة) بالنصب على انه بدل و بالرفع خبر مبتدإ محذوف (أحاج لك) أي أقيم لك بها الحجة عند اللّه عز و جل بالشهادة لك على انك قلتها و منه يؤخذ صحة اسلام الكافر قبيل موته اذا كان قبل الغرغرة و هو كذلك (ما كان) أي ما ينبغى (و لو كانوا) الواو هنا حالية (انك لا تهدى) أي لا توفق و ترشد فلا تنافيه الآية الاخرى و انك لتهدي الى صراط مستقيم اذ المراد هنا بالهداية الدلالة (من أحببت)قال النووي يحتمل من أحببته و من أحببت هدايته (و هو أعلم بالمهتدين) أي بمن قدر له الهدى (الجزع) بفتح الجيم و الزاي في جميع الاصول و الروايات و ذهب جماعة من أهل اللغة الى أنه بفتح المعجمة و الراء و هو الضعف و الخور و قيل الجزع الدهش و اختار ذلك أبو القاسم الزمخشري. قال عياض و نبهنا غير واحد من شيوخنا على انه الصواب (لاقررت بها عينك) قال ثعلب أقر اللّه عينه معناه بلغه أمنيته حتى ترضى نفسه و تقر عينه أي تسكن فلا تشترف لشيئ. و قال عبد الملك بن قريب بالقاف و الراء مصغر ابن أصمع الاصمعي معناه أبرد اللّه دمعه لان دمعة الفرح باردة (يحوطك) أي يصونك و يمنعك من كل من أرادك بسوء (ضحضاح) بفتح المعجمتين بينهما مهملة و هو مارق من الماء على وجه الارض و استعير في النار (تغلى منه أم دغلمه) زاد مسلم و غيره و لولاي لكان في الدرك الاسفل من النار (تنبيه) لا خلاف بين العلماء في ان أبا طالب مات على الكفر و لم يأت في رواية يعتمد عليها فيه ما أتي في أبوي النبي ٦ ان اللّه تعالى أحياهما له فآمنا به نعم ذكره القرطبي في التذكرة بلفظ و قد سمعت ان اللّه تعالى أحيا له أبا طالب و آمن به و اللّه أعلم (و هذا مطابق) أي موافق (الذنوب ثلاثة الى آخره) أخرجه الطبراني في الكبير من حديث سلمان بلفظ ذنب لا يغفر و ذنب لا يترك و ذنب يغفر فاما الذي لا يغفر