بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ٥٧ - مطلب في تحنثه
فكان يخلو بغار حراء قيل كانت عبادته فيه الفكر و قيل الذكر و هو الصحيح و اختلفوا بأى الشرائع كان يدين تلك الايام فقيل بشريعة نوح و قيل ابراهيم و هو الظاهر و قيل موسى : و قيل غير ملتزم شريعة أحد و هو المختار لظاهر قوله تعالى (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ) و لخلوه من دلائل العقل و النقل و الاجماع كما أفهمه كلام الامام النووى (; تعالى) و اتفقوا انه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) لم يعبد صنما و لم يقارف شيئا من قاذورات الجاهلية و كذلك الأنبياء : جملة معصومون من الكفر و الكبائر قبل النبوة و بعدها من الصغائر أيضا عند المحققين. و مما هداه اللّه إليه فطرة و بديهة من مناهج الهدى قبل النبوة و قبل سماع الصوت و النداء ما روى في صحيح الاخبار ان قريشا خالفت الناس في موقف عرفات و كانوا يقفون بالمشعر الحرام و يقولون نحن أهل الحرم و قطانه لا نخرج منه و كان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) يخالفهم و يقف مع الناس بعرفات على مناسك ابراهيم و كانت الاحجار تسلم عليه قبل النبوة و تناديه بالرسالة كما في صحيح الاخبار انى لاعرف حجرا بمكة كان يسلم على قبل ان أبعث اني لا عرفه الآن غزوة تبوك مقبلا الى المدينة* و في سنة ثمان و ثلاثين (قيل كانت عبادته) بالفتح خبر كان و الفكر اسمها و يجوز عكسه (الفكر) نقله الحافظ ابن حجر عن بعض المشايخ من غير تسمية (و قيل الذكر) و هذا هو الصحيح عند الجمهور و قيل اطعام من يرد عليه من المشركين كما في رواية عتبة بن عمير عند ابن اسحاق (فقيل بشريعة نوح) أي لكونه أوّل أولى العزم (و قيل ابراهيم) يؤيده ما في سيرة ابن هشام فيتحنف بالفاء بدل يتحنث أى يتبع الحنيفية و هي دين ابراهيم (و لم يقارف شيئا) هو بمعنى يقترف و الاقتراف الاكتساب و يأتي في الخير و الشر قال تعالى وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً و لمن أراد الزنا و نحوه مما يكون فيه المعصية من اثنين كانت المفاعلة على بابها (و من الصغائر أيضا عند المحققين) من الاصوليين و غيرهم فاعتقاد ذلك واجب* و عن قصة آدم و داود و اخوة يوسف أى على القول بنبوتهم أجوبة ذكرها عياض في الشفاء و معصومون أيضا من المكروه كما جزم به غير واحد الا لمعنى كتبيين الجواز لندرة وقوعه من الاتقياء فكيف من الأنبياء (فطرة) هي الخلقة (و بديهة) بالموحدة و المهملة بوزن عظيمة أي قبل التعلم و الوحي قال صاحب القاموس البديهة أوّل كل شيء و ما يفجأ منه و بادهه به مبادهة و بداها فاجاه به و لك البديهة أي لك أن تبدأ (من مناهج) جمع منهج و منهاج و هو الطريق الواضح (اني لأعرف حجرا الى آخره) أخرجه أحمد و مسلم و الترمذي من حديث جابر بن سمرة قال النووى ففيه معجزة له و فيه اثبات التمييز في بعض الجمادات و هو موافق لقوله تعالى في الحجارة وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ و قوله تعالى و ان من شيء الا يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ و في هذه الآية خلاف مشهور و الصحيح انه يسبح حقيقة و يجعل اللّه فيه تمييزا يحس به كما ذكرنا و منه الحجر الذي فر بثوب موسى