بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ١١٩ - الكلام على وفات عمه أبى طالب و السيدة خديجة و حزنه
شهورا و أياما و حولا مجرما* * * علينا و تأتى حجة بعد قابل
و ما ترك قوم لا أبا لك سيدا* * * يحوط الذمار غير ذرب مواكل
و أبيض يستسقى الغمام بوجهه* * * ثمال اليتامى عصمة للارامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم* * * فهم عنده في نعمة و فواضل
لعمري لقد كلفت وجدا باحمد* * * و اخوته دأب المحب المواصل
كفاعل أى شجاع (لا أبا لك) قال في البحر كلمة تقولها العرب للحث على فعل الشيء و معناه ان الانسان اذا كان له أب و وقع في شدة عاونه أبوه و رفع عنه بعض الكل فلا يحتاج من الجد و الاهتمام الى ما يحتاج إليه حالة الانفراد و عدم الاب المعاون فاذا قيل لا أبا لك فمعناه جد في هذا الامر و شمر و تأهب تأهب من ليس له معاون و قد يقال لا أم لك كذلك أيضا (سيدا) مأخوذ من السؤدد و هو الرئاسة و الزعامة و رفعة القدر و يطلق السيد على الرب و المالك و الرئيس الذي يتبع و ينتهي الى قوله و المطيع لربه و الفقيه و العالم و الحليم الذي لا يغضبه شيء و الكريم على اللّه و التقى و البريء من الحسد و الفائق قومه في جميع خصال الخير و القانع بما قسم اللّه و السخي و النسيب (يحوط) أي يمنع (الذمار) بكسر المعجمة الهلاك أو الغضب قولان و في راء الذمار تزحيف (ذرب) بمعجمة مكسورة فراء ساكنة فموحدة أي غير حديد اللسان فاحشه (مواكل) أى يكل أموره الى غيره غباوة منه و جهلا (و أبيض) بالفتح معطوف على قوله سيدا (يستسقى الغمام) أي السحاب (بوجهه) قال ذلك لما رأى في وجهه من علامات ذلك و ان لم يشاهد وقوعه قاله الحافظ ابن حجر. قلت بل شاهد أبو طالب ذلك فقد أخرج ابن عساكر من حديث عرفطة قال قدمت مكة و هم في قحط فقالت قريش يا أبا طالب أقحط الوادي و أجدب العيال فهلم فاستسق فخرج أبو طالب و معه غلام كانه شمس دجن تجلت عنه سحابة غيم و حوله أغيلمة فأخذه أبو طالب و ألصق ظهره بالكعبة و لاذ الغلام باصبعه و ما في السماء قزعة فاقبل السحاب من هاهنا و هاهنا و أغدق و اغدودق و أخصب النادي و البادي و في ذلك يقول أبو طالب
و أبيض يستسقى الغمام بوجهه* * * ثمال اليتامى عصمة للرامل
انتهى (ثمال اليتامى) بالنصب نعت لما تقدم و هو بكسر المهملة العماد أو الملجأ أو الكافي أو المغيث أو المعين أو مطعم الجائعين أقوال نظمتها فقلت
عماد ملجأ كاف مغيث** * * معين مطعم ذاك الثمال
(عصمة) أى ملاذ (للارامل) جمع أرملة و هي المرأة الفقيرة التي لا زوج لها (يلوذ به) أي يلجأ إليه (الهلاك) جمع هالك (فى نعمة) بفتح النون و كسرها و معناه بالفتح المنعة و العيش الرغد و بالكسر واحد النعم (لقد كلفت) كملت و زنا و معنى و هو مبنى للمفعول (وجدا) بفتح الواو أى حبا شديدا (باحمد) بالصرف لضرورة الشعر (و اخوته) أراد بهم أولاد نفسه (دأب) أى عادة (المحب المواصل) اسم فاعل أو مفعول فهو بكسر المهملة