مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٧٨
و الثالث: أحاديث الحلّ.
أمّا القسم الأوّل - فقد عرفت أنّه لا يثبت في نفسه الترخيص في مقابل الغرض الإلزاميّ المعلوم بالإجمال، فلا يجري حتى مع عدم الابتلاء بالمعارض، كما لو اختصّ الأصل بأحد الطرفين لمانع من إجراءه في الطرف الآخر.
و أمّا القسم الثاني - و هو الاستصحاب، فهو قد جعل بلسان فرض الكاشفيّة و اعتبارها، حيث يقول: لا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبدا، و التبعيض في الكاشفيّة بأن يقال: إنّ الكاشف عن طهارة هذا الإناء موجود إن تركت شرب ذاك الإناء خلاف المتفاهم العرفي، حيث إنّ هذا القيد غير مربوط بباب الكشف، و ليس هذا من قبيل تقييد الاستصحاب بفرض عدم وجود أمارة على الخلاف.
نعم، لو ورد دليل بالخصوص على جريان الاستصحاب في كلّ واحد من الجانبين على تقدير ترك الآخر، فنحن نقبله، إذ ليس من اللازم أن يتبع الشارع دائما في قوانينه الأذواق العرفيّة، لكن حيثما لم يرد هذا بالخصوص، و إنّما قصد استفادته من الإطلاق، فعدم تعقّل العرف للتبعيض في الكاشفيّة يوجب عدم انعقاد ظهور للكلام في الإطلاق.
و أمّا القسم الثالث - و هو أخبار الحلّ، فهو و إن كان ناظرا إلى الترخيص حتى بلحاظ الغرض الإلزاميّ المعلوم بالإجمال، و ذلك بقرينة كلمة (بعينه) - و إنّما لا يجري في موارد الشبهة المحصورة المجتمع فيها بعض الشروط، لنكتة أخرى و هي مصادمته عرفا للحكم الواقعيّ أو لما يقولونه من حكم العقل تنجيزيّا بحرمة المخالفة القطعيّة - لكن أحاديث الحلّ - كما مضى - كلّ واحد منها إمّا مبتل بضعف السند، أو بضعف الدلالة، أو بكلا الداءين، عدا رواية واحدة، و هي رواية عبد اللّه بن سنان:
(كلّ شيء فيه حلال و حرام، فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه)، و هذا الحديث لا تتمّ فيه ما مضت من شبهة التخيير، لأنّ قوله: (كلّ شيء فيه حلال و حرام) يستفاد منه اشتمال الشيء الّذي حكم عليه بالحلّيّة الظاهريّة على الحلال و الحرام، و هذا الاشتمال إمّا من قبيل اشتمال الكلّ على أجزائه، أو من قبيل اشتمال الكلّيّ على أفراده.
فإن فرض أنّه من قبيل اشتمال الكلّ على أجزائه، بأن حلّل مثلا مجموع الجبن الموجود في السوق المشتمل على الحلال و الحرام، فمن المعلوم أنّه لا يمكن تقييد الحلّيّة في بعض أجزائه بقيد أحواليّ، بأن يستفاد من ضمّ إطلاق هذا