مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٥٣
المحكوم عليهم على إيصال تلك الأحكام إلى مقام معيّن، و المحكوم عليه يذهب إلى ذلك المقام فيفحص عن تلك الأحكام، لا أنّها تصل إلى كلّ إنسان في بيته، فمثلا: القوانين المجعولة من قبل الحكومة تنشر في صحيفة رسمية، و من أراد تطبيقها لا بدّ له أن يطالع الصحيفة و يطبّقها، و هكذا لو كانت الحكومة تنشر قوانينها عن طريق الإذاعة مثلا، فعلى الناس أن يستمعوا إليها، فعدم الذهاب إلى ذلك المقام هو بنفسه إغماض العين، إلاّ أنّ إغماض العين يختلف مصداقه باختلاف طبيعة الشبهة، و طبيعة كيفية وصول الحكم. إذن فبالإمكان أن ننتزع هذا العنوان الجامع بين الشبهتين بأن نقول: إنّ القاعدة العقلائيّة لا تشمل الموارد التي لم يتحقّق فيها هذا المقدار الجامع من الفحص، أي: المقدار الّذي يصدق معه عدم التهرّب و عدم غمض العين و إن اختلف مصداق هذا الجامع باختلاف طبيعي الشبهة [١]. نعم، خروج ما قبل الفحص في الشبهات الحكميّة عن البراءة يكون أوضح بحسب الارتكاز العقلائي منه في الشبهات الموضوعيّة.
هذا حال البراءة العقلائيّة، و لكن تحقيق البراءة العقلائيّة و تحديد حدودها بما هي براءة عقلائيّة لا ينفعنا، لأنّنا نتكلّم تجاه المولى الحقيقي لا تجاه مولى جعلت مولويّته في المجتمع العقلائي، إلاّ أنّ هذا ينفعنا في فهم دليل البراءة الشرعيّة على ما تقدّم، و على ما تأتي الإشارة إليه.
هذا هو الكلام على مستوى البراءة العقليّة، فالبراءة العقليّة لا وجود لها، و قد حوّلناها إلى براءة عقلائيّة، و البراءة العقلائيّة لا تشمل ما قبل الفحص في المورد الّذي يصدق فيه التهرّب و غمض العين.
بلحاظ البراءة الشرعيّة و أمّا البراءة الشرعيّة: ففي مقام تحقيق اختصاصها بما بعد الفحص و عدمه نرجع إلى ما مضى من الوجوه التسعة، لاختصاصها بما بعد الفحص في الشبهات الحكميّة، لنرى أنّه هل يتمّ منها شيء هنا، أو لا؟ فنقول:
الوجه الأوّل: أنّ دليل البراءة له ظهور في أنّه دليل إمضائي، فهو يمضي البراءة
[١] لنا كلام حول هذا الأمر يأتي - إن شاء اللّه - قريبا في البراءة الشرعيّة في تعليقنا في الوجه السابع من وجوه الفحص.