مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٨٢
و تخيّل الناس أنّ زيدا عالم مع أنّه كان جاهلا، ففي مثل ذلك لا إشكال في أنّ العنوان المأخوذ في كلام الشارع لا يشمله، فإن عدّ الناس ذلك من أفراد هذا العنوان إنّما هو من باب الإخبار، و المفروض أنّ إخبارهم كاذب في المقام.
الثاني: أن يكون ارتكاز فرديّته للعنوان من باب الإنشاء لا من باب الإخبار، أي:
أنّ العرف يوجد فردا لذلك العنوان، و هذا الإيجاد و إن كان قد يفرض اختصاصه بعرف خاصّ، لكن النتيجة و هي فرديّة ذلك الشيء للعنوان تثبت ثبوتا حقيقيّا مطلقا لا ثبوتا نسبيّا، و ذلك كما في مفهوم التعظيم، فإنّ له فردا حقيقيّا كامتثال الأمر، و فردا عرفيّا يثبت بالارتكاز كالقيام في عرفنا، و بعد أن جعل عرف مّا القيام تعظيما يصبح ذلك تعظيما حقيقة، و حتّى من لم يوافق هذا العرف يعترف - أيضا - حينما يرى شخصا من أهل هذا العرف قام لشخص آخر بأنّه عظّمه، فإنّ التعظيم ليس إلاّ إظهار ما يدلّ على عظمة هذا الشخص في نفس المعظّم، و قد جعل القيام دالاّ على ذلك من قبيل جعل لفظ دالاّ على معنى. و في مثل هذا لا إشكال في أنّ العنوان المأخوذ في لسان الشارع يشمل هذا الفرد، و لو فرض تجدّده في زمان متأخّر عن زمانه، فإنّه فرد حقيقي مطلق، و هو تماما من قبيل ما إذا حكم المولى بالمطهّريّة مثلا على الماء ثمّ وجد فرد من الماء بعد زمان الشارع بأسباب طبيعية أو بالعلاج.
الثالث: أن تكون فرديّته للعنوان بالإنشاء، و تكون النتيجة - أيضا - ضيّقة و نسبيّة، كما يكون أصل الإنشاء مختصّا بعرف دون عرف، و معنى ذلك: أنّ الفرد الّذي أوجد بهذا الإنشاء فرد في منظار هذا الإنشاء لا مطلقا، و مثال ذلك هو النقص و الضرر، فله مصاديق حقيقيّة كقطع اليد، و له مصاديق ارتكازيّة، كما في مثل نقص المال المملوك لزيد، فإذا فرض في عرف من الأعراف أنّ هذا المال ملك لزيد ثمّ أخذ منه، فالخارج عن هذا العرف - أيضا - يحكم بتضرّر زيد في هذا العرف، لكن ليس هذا حكما مطلقا بالضرر، بل يقال من قبل أهل هذا العرف، و من قبل غيرهم: إنّ زيدا طرأ في حقّه الضرر و النقص بمنظار كون هذا المال ملكا له، و لم يطرأ عليه أيّ نقص و ضرر بمنظار آخر لا يرى هذا المال ملكا له.
و الصحيح: أنّ العنوان المأخوذ في كلام الشارع في مثل هذا المورد يشمل الأفراد العرفيّة في عصره، و لا يشمل الأفراد المستجدّة في الأعصر المتأخّرة.
أمّا شموله للأفراد العرفيّة في عصره، فلأنّ الشارع رجل عرفي يخاطب العرف، فيكون كلامه ظاهرا في المعنى العرفي و بالمنظار العرفي، فيتمّ الإطلاق