مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٢٧
بحسب ما وصلنا من كلماتهم، فكانت البراءة العقليّة في أزمنة الشيخ الطوسي إلى المحقّق و العلامة تفسّر باستصحاب حال العقل الحاكم بعدم التكليف قبل الشريعة، و بعد هذا جعلت البراءة العقليّة أمارة من الأمارات من باب أنّ عدم وجود دليل على الحكم دليل على العدم، و بعد هذا أرجعت البراءة العقليّة إلى قانون استحالة التكليف بغير المقدور خلطا بين الجهل بالحكم بمعنى الإبهام المطلق و الشكّ في وجود حكم معيّن و عدمه.
و واقع المطلب: هو أنّ هذه القاعدة - أعني قاعدة قبح العقاب بلا بيان - قاعدة عقلائيّة لا عقليّة كما تخيّلوا، حيث مضى تقسيم المولويّة، إلى المولويّة الذاتيّة و المولويّات المجعولة، و قلنا: إنّ معنى قبح العقاب بلا بيان: هو أنّ المولى ليس من حقّه أن يعاقب على مخالفة حكمه عند عدم العلم به، و هذا يعني أنّه ليس من حقّه وجوب الامتثال في أحكامه المشكوكة، و معنى ذلك: أنّ مولويّته تختصّ بالأحكام المعلومة و لا مولويّة له في دائرة الأحكام المشكوكة، إذن ففي مقام تشخيص صحّة البراءة العقليّة و عدمها يجب الرجوع إلى مدرك المولويّة لنرى سعة المولويّة و ضيقها. و في المولويّات المجعولة من قبل العقلاء نرجع إلى الجعل و نرى أنّه غير ثابت في دائرة التكاليف المشكوكة، و أنّ العقلاء بحسب جعولهم و ارتكازاتهم يخصّون المولويّة بالتكاليف الواصلة. و هذا معنى قولنا: إنّ هذه قاعدة عقلائيّة.
و قد تمركزت هذه القاعدة العقلائيّة في أذهان العقلاء، و تعمّقت في نفوسهم إلى درجة وقع الاشتباه بينها و بين القاعدة العقليّة، و تخيّل أنّ هذه قاعدة عقليّة نابعة من صميم العقل. و إذا رجعنا إلى المولويّة الذاتيّة فلا بدّ أن نرجع إلى مدرك مولويّته تعالى، و هو بداهة العقل، فمولويّته أمر واقعي ثابت يدركه العقل كإدراكه لأصل وجوده تعالى، و لا يمكن البرهنة على سعة هذه المولويّة أو ضيقها. و نحن يحكم عقلنا بالبداهة: أنّ مولويّة المولى تعالى تشمل التكاليف المعلومة و المظنونة و المشكوكة و الموهومة، و أنّه لا أساس لقاعدة البراءة العقليّة.
هذا. و إذا راجعنا المرتكز العقلائي و القاعدة العقلائيّة، نرى أنّ حكمهم بعدم المولويّة و عدم حقّ الامتثال على العبد و حقّ العقاب لدى مخالفته إنّما يختصّ بما بعد الفحص، و لا تجري القاعدة بمجرّد عدم تصدّي العبد للفحص عن حكم مولاه و بقائه شاكّا في الحكم، هذا في أحكام المولويّات الاجتماعيّة.