مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٦٥
الحال في سائر الأصول الأخرى كأصالة التخيير في موارد دوران الأمر بين المحذورين، و أصالة الطهارة في الشبهات الحكميّة، و الاستصحاب النافي للتكليف في الشبهات الحكميّة:
أمّا أصالة التخيير فلأنّها أصل عقلي محض يرجع فيه إلى حكم العقل، و العقل يستقلّ بالتخيير في موارد دوران الأمر بين المحذورين بملاك العجز و عدم القدرة، فإنّ الامتثال القطعي مستحيل التحقّق، و الامتثال الاحتمالي مستحيل الانتفاء، و قبل الفحص يحتمل القدرة، و ذلك بأن يفحص فيتعيّن التكليف فيعمل به، و احتمال القدرة منجّز، و احتمال العجز ليس مؤمّنا.
و نفس هذا البيان يأتي - أيضا - في موارد دوران الأمر بين المحذورين في الشبهة الموضوعيّة، فلا يقاس مورد دوران الأمر في الشبهة الموضوعيّة بين المحذورين بمورد الشكّ البدوي في الشبهة الموضوعيّة، و لو سلّمنا جريان البراءة في الشبهة الموضوعيّة قبل الفحص، فإنّ العلم الإجمالي من حيث كونه بيانا و انكشافا تام لا قصور فيه، و إنّما القصور فقط في قدرة المكلّف، و الشكّ في القدرة مورد للاشتغال و الاحتياط، فلا بدّ من الفحص [١].
و أمّا أصالة الطهارة و الاستصحاب النافي في الشبهات الحكميّة فنحسب حسابهما على ضوء الوجوه التسعة الماضية لوجوب الفحص، لنرى أنّ أيّا منها يأتي هنا و أيّا منها لا يأتي، فنقول:
الوجه الأوّل: دعوى تقييد إطلاق دليل البراءة بالارتكاز، و هذا الوجه لا يجري في المقام، لأنّ هذا الوجه موقوف على أن يجيء الدليل متضمّنا لكبرى لها مماثل مركوز في الأذهان العقلائيّة، فينعقد لهذا الدليل ظهور ثانوي سياقي بحسب الفهم العرفي في أنّه إمضائي لا تأسيسي، فيتبع الممضى سعة و ضيقا، و هذا المطلب إنّما يتمّ في البراءة لوجود البراءة العقلائيّة، و أمّا أصالة الطهارة و الاستصحاب فليسا
[١] لا يخفى: أنّ الشكّ في القدرة هنا ليس شكّا في القدرة على موافقة الحكم الواقعي حتّى يدّعى أنّه يؤدّي إلى الشكّ في التكليف، و بالتالي يؤدي إلى البراءة، لأنّ القدرة دخيلة في التكليف، أو يدّعى أنّ احتمال دخل القدرة في الملاك و في المحبوبيّة يؤدّي بنا إلى إجراء البراءة، لأنّنا لم نحرز لا التكليف و لا الملاك و لا المحبوبيّة، و إنّما هو شكّ في القدرة على الموافقة القطعيّة بعد القطع بثبوت الواقع للقدرة عليه، و من المعلوم استقلال العقل في ذلك بالاحتياط بعد فرض عدم الأصول المؤمّنة الأخرى.