مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٣٦
و لحلّ هذا التهافت نستعرض عدّة مواقف للأصوليّ في مقام إبطال شبهة الاحتياط بعد الفحص، لكي يتّضح انسجامها مع موقفه في مسألة الاحتياط قبل الفحص.
الموقف الأوّل: هو أنّنا لا ندّعي انحلال العلم الإجمالي الكبير بما نظفر به من أخبار الثقات، بل ندّعي انحلاله بالعلم الإجمالي الصغير بالتكاليف الواقعيّة في ضمن أخبار الثقات، أو بالعلم الإجمالي بوجود أخبار حجّة، و هي أخبار الثقات ضمن مطلق الأخبار، و هذا العلم الإجمالي مقارن زمانا للعلم الإجمالي الكبير [١].
و هذا الموقف ينسجم تمام الانسجام مع موقف الأصولي هنا، لأنّه أجاب هناك عن العلم الكبير المقتضي للاحتياط حتّى بعد الفحص: بانحلاله بالعلم الصغير، و هناك تمسّك بالعلم الصغير لإيجاب الاحتياط قبل الفحص.
إلاّ أنّ هذا الموقف في نفسه لم يكن موقفا صحيحا.
فإنّه إن أريد حلّ العلم الكبير انحلالا حقيقيا بالعلم الصغير في دائرة أخبار الثقات، فهنا علم صغير - أيضا - في دائرة الشهرات مثلا، و كذا في دوائر أخرى، و لا وجه لانحلال العلم الكبير ببعضها دون بعض، أو قل: إنّنا نعلم إجمالا بتكاليف مائة في مادّة الاجتماع بين الشهرات و أخبار الثقات، أو مائتين في مادّتي الافتراق مثلا على ما مضى شرحه و تنقيحه في محله.
و إن أريد حلّ العلم الكبير بفرض علم صغير بالحجّة في دائرة الأخبار، لإيقاع التعارض بين الأصل في بعض موارد الخبر بالأصل في البعض الآخر، فكون الأصل في مورد الخبر الّذي هو مورد للشهرة - أيضا - معارضا بالأصل في مورد الخبر الّذي
[١] و العلم الإجمالي بالتكاليف الواقعيّة ضمن ما في معرض الوصول من أخبار الثقات يحلّ الإشكال حتّى لو لم يفرض مقارنا للعلم الإجمالي الكبير، و ذلك لأنّه يوجب الانحلال الحقيقي، لا الانحلال بملاك تعلّق المنجّز التعبّدي ببعض أطراف العلم الإجمالي، و لا أثر لتقارنه للعلم الإجمالي الكبير في المقام، لأنّه رغم التقارن لا يتصوّر الانحلال، إلاّ في فترة متأخّرة، أي:
بعد تعارض الأصول في أطراف العلم الكبير و تساقطها، لأنّ العلم الصغير ما دامت أطرافه مردّدة ضمن أطراف العلم الكبير يستحيل إفناؤه للعلم الكبير، و إنّما يفنيه بعد الفحص بمقدار تمتاز أطرافه عن سائر أطراف العلم الكبير. و سوف نوضّح ذلك أكثر في تعليقنا في التنبيه الرابع من التنبيهات الآتية في نهاية هذا البحث.