مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤١١
و الصحيح: أنّ التفسير الأوّل خلاف الظاهر، إذ:
أوّلا: أنّ حرف السلب في قوله: «لا يسقط» بحسب ظهوره الأوّلي يكون نفيا حينما لا قرينة على إرادة النهي.
ثانيا: لا يصحّ حمل الرواية على النهي، لا لمجرّد عدم القرينة على ذلك كما ذكرناه في الوجه الأوّل، بل لخصوصيّة في سياق الحديث، و هي أنّ حرف السلب لم يدخل على ما هو فعل المكلّف حتّى يقبل حمله على النهي، و إنّما دخل على ما هو من أفعال المولى، و هو سقوط الميسور، و التعبير (بالسقوط) يكون باعتبار وجوده و استقراره في العهدة كما يقال: كان عليه دين فأسقطه.
إن قيل: يمكن أن يراد السقوط من حيث العمل الخارجي بمعنى ترتيب آثار السقوط فيتصوّر النهي، و ذلك كما في: «لا تنقض اليقين بالشكّ» حيث يحمل على ترتيب آثار النقض، و إلاّ فأصل اليقين منقوض و مقطوع جزما.
قلت: أوّلا: إنّ هذا إنّما يصار إليه حيث لا يمكن حمل اللفظ على معناه الحقيقي، فيحمل على إرادة آثار ذلك المعنى كما في حديث: (لا تنقض)، و هذا بخلاف مثل ما نحن فيه الّذي يمكن حمله على معناه الحقيقي.
و ثانيا: أنّ النقض من الأفعال التي يمكن إضافتها إلى المكلّف في نفسها بغضّ النّظر عن خروجه عن قدرة المكلّف، و السقوط ليس هكذا، و إنّما الّذي يقابل النقض في هذه الجهة هو الإسقاط، و أمّا السقوط فهو مقابل الانتقاض، و لذا أسند في الحديث إلى الميسور لا إلى المكلّف.
نعم، لو قرئ الحديث هكذا: (الميسور لا يسقط) بصيغة المجهول، صحّ من هذه الناحية قياسه بالنقض في حديث: (لا تنقض).
ثمّ لو سل ّم حمل الحديث على النهي قلنا: إنّ هذا الحديث إنّما يدلّ على المنع عن إسقاط الميسور من المستحبّ من جهة تعذّر بعض الأجزاء، و أمّا إسقاطه من جهة كونه من المستحبّات لا من الواجبات، فلا يدلّ على المنع عنه، فلا معارضة بين الهيئة و الإطلاق.
ثمّ لو سلّم التعارض بين ظهور النهي في اللزوم و الإطلاق، قلنا: إنّ الأوّل يقدّم على الثاني على ما قرّر في محلّه، فلو ورد مثلا: (لا تكرم الفاسق) و ورد الدليل على جواز إكرام زيد الفاسق، يجعل الثاني مخصّصا للأوّل لا قرينة على حمل النهي على الكراهة، بأن يقال بجواز إكرام كل فاسق لكن مع الكراهة.