مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٣٨
الموقف الثاني: ما سلكه المحقّق العراقي قدّس سرّه«»و السيّد الأستاذ«»، و هو أنّ الأصول لم تكن متساقطة بالتعارض، بل كانت غير جارية بنفسها لمنجّزيّة الاحتمال قبل الفحص على فرق بين كلام المحقّق العراقي و السيّد الأستاذ، فالمحقّق العراقي ذكر احتمال وجود خبر الثقة و قال: إنّ هذا منجّز قبل الفحص. و السيّد الأستاذ ذكر احتمال الواقع، و قال: إنّه منجّز قبل الفحص. و روح المطلب واحد، و هو أنّ الاحتمال قبل الفحص ليس مجرى للبراءة، بل هو منجّز، و في كلّ مورد فحصنا و لم نجد خبر ثقة نجري في خصوص ذلك المورد البراءة، و لا معارض لها إلى أن نفحص عن تمام الموارد، فنجري البراءة عن التكليف في خصوص الموارد التي ليس فيها خبر ثقة، و لا معارض لهذه البراءة.
و هذا الكلام متين، إلاّ أنّ معنى ذلك: هو الاعتماد في إبطال البراءة قبل الفحص على وجه آخر غير العلم الإجمالي.
فالمحقّق العراقي قدّس سرّه الّذي لم يذكر في المقام أيّ وجه لعدم جريان البراءة قبل الفحص عدا العلم الإجمالي، لا ينسجم موقفه في المسألة الأولى في مقابل الأخباري مع موقفه فيما نحن فيه، لاقتصاره في نفي البراءة قبل الفحص على مسألة العلم الإجمالي، و هذا يعني أنّه بغض النّظر عن العلم الإجمالي لا مانع عن إجراء البراءة قبل الفحص، و عليه فيرجع إشكال الأخباري في مبحث البراءة و الاشتغال
- و بالإمكان أن يدمج هذا الموقف مع ما سيأتي في المتن من الموقف الثالث، فيقال: إنّ الأصول المؤمّنة في مورد أخبار الثقات غير جارية ابتداء إمّا للقول بأنّ التنافي بين الأحكام الظاهريّة ثابت قبل الوصول، أو لأنّ أخبار الثقات الحجّة واصلة منذ البدء وصولا إجماليّا.
أمّا لو قلنا بأنّ الأخبار الحجّة غير واصلة إلينا في أوّل أزمان العلم الكبير، لأنّ العلم الكبير ثابت في بدء بلوغ المكلّف، و في بدء البلوغ قد لا يعلم المكلّف بوجود أخبار حجّة، بل يحتمل الانسداد مثلا، فالأولى - عندئذ - أن يحذف هذا المقطع، و يقتصر في الموقف الأوّل على ذكر الانحلال الحقيقي، و في الموقف الثالث على ذكر أنّ أخبار الثقات منعت عن جريان الأصول في موردها منذ البدء، لأنّ الأحكام الظاهريّة تتعارض فيما بينها حتّى قبل الوصول.