مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٤٩
الأعداء، و الزين على الأخلاّء و غير ذلك، و كلّ هذا لا ينطبق إلاّ على هذا المعنى من العلم، لا على مجرّد استطلاع حال المسألة بشكل بسيط.
فهذه الروايات كلّها ناظرة إلى وجوب طلب العلم بالمعنى الثاني، غاية الأمر أنّ هذه الروايات ظاهرة في أنّ هذا الوجوب ثابت على كلّ مسلم حتّى لو لم نتعبّد بعبارة كلّ مسلم إلاّ أنّ مثل هذا يقيّد بما دلّ على سقوط هذا الوجوب بقيام عدد كاف في مقام حفظ الشريعة، و ليكن من المقيّدات آية النفر، و غيرها من الأدلّة الدالّة على إعفاء المسلم من هذا الوجوب على تقدير قيام عدد من الناس يكفي في مقام حفظ الشريعة بذلك.
الطائفة الثانية: الروايات الآمرة بالتفقّه في الدين من قبيل ما عن علي بن حمزة قال: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول: تفقّهوا في الدين، فإنّه من لم يتفقّه منكم في الدين فهو أعرابي، إنّ اللّه تعالى يقول في كتابه: ليتفقّهوا في الدين، و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون»«»و أيضا ما عن مفضّل بن عمر قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول: «عليكم بالتفقّه في دين اللّه، فلا تكونوا أعرابا، فإنّه من لم يتفقّه في دين اللّه لن ينظر اللّه إليه يوم القيامة، و لم يزكّ له عملا»«»، و نحو ذلك من الروايات.
و هذه الروايات - أيضا - يأتي فيها نفس الكلام السابق [١]، فإنّ التفقّه في الدين تارة يجمد فيه على المعنى اللغوي بحسب مرّ اللغة و هو الفهم، و أخرى يقصد به مرتبة من فهم الدين، و هي مرتبة معمّقة خاصّة عبّر عنها هناك بالعلم و هنا بالفقه، و على الثاني لا تكون الروايات دالّة على المقصود.
و الظاهر منها هو الثاني، فإنّ نفس كلمة (التفقّه في الدين) تعطي ذلك، مضافا إلى التعليل بأن لا يكون أعرابيا، و الأعرابي هو الشخص الّذي يتخلّف عن الهجرة إلى بيت العلم و بيت النبوّة، فإنّ المفروض أنّ جماعة من كلّ طائفة يهاجرون إلى مركز
[١] لا يخفى أنّ التعبير ب «من لم يتفقّه لن ينظر اللّه إليه...» آب عن الحمل على الوجوب الكفائي، فهذا قرينة على أنّ المقصود هو المقدار من التفقّه المناسب وجوبه على كلّ مسلم لا التخصّص، و هذا هو المناسب للمقابلة مع الإعرابيّة.