مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣١١
أنّ الوجوب الارتباطي يتعلّق بالأجزاء، مع فرض أنّ كلّ جزء جزء في نفسه، و شرط لغيره من الأجزاء، و أنّ كلّ واحد منها مقيّدا بالباقي واجب.
و لا يرد على هذا استلزامه للدور، لكون الشرط مقدّما رتبة على المشروط، فيلزم تقدّم كلّ من الجزءين على الآخر.
فإنّ الجواب عن ذلك: هو أنّ الشرط له معنيان:
أحدهما: ما يتوقّف عليه الشيء، كالصعود على الدرج بالنسبة لكون على السطح، و الشرطيّة بهذا المعنى هي التي لا يمكن أن تكون من الطرفين للزوم الدور.
و ثانيهما: ما قيّد به الشيء و حصّص به، و الشرطيّة بهذا المعنى من الطرفين لا تستلزم الدور، إذ ليست ذات كلّ من الركوع و السجود مثلا متوقّفة على الآخر، و إنّما تكون نسبة كلّ منهما للآخر، و مقارنته له متوقّفة عليه، فيختلف المتوقّف على المتوقّف عليه.
إلاّ أنّ الكلام يقع فيما هو الدليل على دعوى أخذ كلّ واحد من الأجزاء مقيّدا بالباقي، و الدليل على ذلك يكون أحد أمرين:
الأمر الأوّل: أنّ الوجوب الارتباطي بما أنّه وجوب واحد يستحيل تعلّقه بالمتكثّر بما هو متكثّر، فلا بدّ من فرض وحدة في متعلّقه، و توحيد هذه الأجزاء يكون بتقييد كلّ منها بالباقي، فهذا التقييد المتقابل يكون قضاء لحقّ وحدة الوجوب.
و الواقع: أنّ استحالة تعلّق الوجوب الواحد بالمتكثّر بما هو متكثّر، و إن كان أصلا بديهيا عندنا - رغم مخالفة المحقّق العراقيّ رحمه اللّه فيه كما سيأتي إن شاء اللّه - لكنّ هذا لا يفيد شيئا في المقام، لأنّ هذه التقييدات المتبادلة لا توحّد تلك الأمور المتكثّرة، غاية الأمر أنّه بغضّ النّظر عن التقييد تكون تلك الأمور ذوات أجزاء متكثّرة، و بالنظر إلى التقييد تكون مقيّدات متكثرة، و هذا لا يقتضي حقّ وحدة الوجوب، و الشاهد على ذلك أنّه يمكن فرض هذه التقييدات المتبادلة بين واجبات مستقلّة، فمثلا: يشترط في صحّة صلاة العصر إيقاعها بعد صلاة الظهر، و يمكن فرض اشتراط صحّة صلاة الظهر - أيضا - بإيقاع صلاة العصر بعدها، من دون أن يلزم من ذلك كونهما واجبا واحدا و متعلّقا لوجوب واحد.
و الخلاصة: أنّه يمكن فرض غرضين مستقلّين في أمرين مع افتراض أنّ كلّ واحد من الغرضين لا يحصل إلاّ بحصّة من أحد الأمرين مقارنة للآخر، و عندئذ يتحقّق لا محالة وجوبان مستقلاّن لهما امتثالان و عصيانان، و فاعلهما يثاب بثوابين،