مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٩٢
مساوق لفعل ذلك الضدّ، ففي طول تركه لا معنى للأمر بهذا الضدّ و البعث نحوه، و مقامنا من هذا القبيل، لأنّ الجهر و الإخفات لا ثالث لهما.
و أجاب السيّد الأستاذ: بأنّ الترتّب ليس بين الجهر و الإخفات، و إنّما هو بين القراءة الجهريّة و القراءة الإخفاتيّة، و لهما ثالث و هو ترك القراءة«».
أقول: إنّ كلاّ من الإشكال و الجواب غير صحيح في المقام، فإنّ الترتّب بحسب الدقّة ليس بين الجهر و الإخفات و لا بين القراءتين، بل بين الصلاة الجهريّة و الصلاة الإخفاتيّة.
و البرهان على ذلك: أنّ الأمر بالقراءة أمر ضمني، فلا بدّ من تعدّد الأمر الاستقلالي بالصلاة الّذي هو في ضمنه، إذ لو اتحد الأمر بالصلاة و تعدّد الأمر بالقراءة أو بالجهر و الإخفات، فإمّا أنّ الأمرين بالقراءة أو بالجهر و الإخفات أو أحدهما استقلالي، و هذا خلف، لأنّنا لسنا بصدد تصوير واجب مستقل كما مضى في الفرضية الثانية، و إمّا أنّهما معا ضمنيّان، و عندئذ فالأمر بالصلاة قد اشتمل على أمرين ضمنيين: الأمر بالقراءة الإخفاتيّة، و الأمر بالقراءة الجهريّة، فإن لم يؤخذ ترك إحدى القراءتين قيدا لا في الواجب و لا في الوجوب لزم الجمع بين القراءتين، و هذا خلف المفروض. و إن أخذ ترك إحداهما قيدا (و لنفرضه ترك القراءة الإخفاتيّة) فالتقييد يكون بأحد أنحاء ثلاثة:
الأوّل: أن يؤخذ قيدا في الوجوب للأمر النفسيّ الاستقلالي المتعلّق بالكلّ، و هذا محال، فإنّ هذا معناه أن يقيّد الأمر بالكلّ المشتمل على القراءتين بترك إحداهما.
الثاني: أن يكون الوجوب الضمني المتعلّق بالقراءة الجهريّة مقيّدا بترك القراءة الإخفاتيّة من دون أن تكون سائر الوجوبات الضمنيّة مقيّدة، و هذا - أيضا - غير معقول، لأنّ الوجوب الضمني ليس له جعل مستقلّ حتّى يكون له قيد مستقل، بل وجوده وجود تحليلي، و الاشتراط في عالم الجعل فرع الوجود في عالم الجعل، و الوجوب الضمني ليس له وجود في عالم الجعل، و إنّما يكون له وجود بعد التحليل، و عالم الاشتراط هو عالم الجعل، و الموجود في عالم الجعل إنّما هو الأمر الاستقلالي بالكلّ.