مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٠٤
العالم الثاني: عالم الوجوب و الإلزام، فقد يفترض أنّ ما في عالم نفس المولى و لحاظه مردّد بين المتباينين، و يكون مثلا في مقابل اللحاظ الزائد في جانب الأكثر لحاظ آخر في جانب الأقلّ، لكن اللّحاظ الزائد الموجود في جانب الأكثر عبارة عن الإيجاب و الإلزام، و اللحاظ الزائد الموجود في جانب الأقلّ ليس عبارة عن الإلزام، بل هو توسعة على العبد، فليس كلّ ما هو ثابت في اللّحاظ فهو تضييق و إلزام، فإذا لاحظ المولى الإطلاق أو قلنا: إنّ الإطلاق أمر لحاظي و ليس عبارة عن عدم لحاظ القيد، فهذا - بالرغم من كونه داخلا في لحاظ المولى - يكون توسعة لا تضييقا.
العالم الثالث: عالم التحميل العقلي، فقد يكون الأمر في العالمين الأوّلين دائرا بين المتباينين، لكنّه بحسب عالم التحميل العقلي يكون الأمر دائرا بين الأقلّ و الأكثر، و ذلك كما في دوران الأمر بين التعيين و التخيير، كما إذا دار الأمر بين وجوب إكرام إنسان، أو وجوب إكرام حيوان، بالمعنى الشامل للإنسان، ففي عالم لحاظ المولى - و كذلك في عالم الإلزام - يكون الأمر دائرا بين المتباينين، فإنّ العنوان الملحوظ و الملزم به في وجوب إكرام الإنسان مباين للعنوان الملحوظ و الملزم به في وجوب إكرام الحيوان، لكنّ التحميل العقلي مردّد بين الأقلّ و الأكثر، بمعنى أنّ أحد الامتثالين مساوق لامتثال الآخر دون العكس، فالأمر دائر في التحميل العقلي بين التخيير في الامتثال و التوسعة بلحاظ إكرام الإنسان، أو غيره من الحيوانات، و بين تضييق هذه الدائرة للامتثال بتعيين إكرام الإنسان.
العالم الرابع: هو عالم التطبيق الخارجي و الامتثال، فقد يكون الأمر فيه دائرا بين الأقلّ و الأكثر، بمعنى: أنّ مقدارا ممّا وقع في الخارج يصلح امتثالا للأمر بالأقلّ، فإذا ضمّ إليه الزائد صار امتثالا للآخر على كلّ تقدير، و قد لا يكون كذلك، فمثلا: لو دار الأمر بين وجوب تسعة أجزاء أو عشرة، بضمّ جزء عاشر إلى تلك الأجزاء التسعة، فكما أنّ الأمر بلحاظ عالم التحميل العقلي دائر بين الأقلّ و الأكثر، كذلك الأمر بلحاظ عالم التطبيق الخارجي دائر بين الأقلّ و الأكثر، فالأجزاء التسعة تصلح امتثالا للأمر بالأقل، و إذا ضمّ إليها الجزء العاشر كان العمل امتثالا للأمر على كلّ تقدير، و هذا بخلاف ما لو دار الأمر بين وجوب إكرام إنسان و وجوب إكرام حيوان بالمعنى الأعم من الإنسان، ففي هذا المثال و إن كان الأمر بحسب التحميل العقلي دائرا بين الأقلّ و الأكثر كما عرفت، لكنّه بحسب التطبيق الخارجي ليس كذلك، فليس هنا عمل زائد خارجي يضمّ إلى إكرام الحيوان الصالح لامتثال الأمر بالأقلّ