مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٢١
و أظنّ أنّ هذه النكتة كانت موجودة ارتكازا أو إجمالا في أذهان العلماء (قدس اللّه أسرارهم) و رأوا بارتكازهم العرفيّ أنّ دليل الأصل شامل للجانب الداخل في محلّ الابتلاء من العلم الإجمالي، و أنّه لا يعارضه الأصل في الطرف الآخر، أي: أنّ دليل الأصل لا يشمل ذات الطرف الآخر، إلاّ أنّهم لمّا حاولوا أن يفلسفوا الموقف ربطوا ذلك بمسألة كون التكليف مشروطا بالدخول في محلّ الابتلاء و عدمه، إذ رأوا أنّه مع فرض ثبوت التكليف حتّى في مورد الخروج عن محلّ الابتلاء يكون الطرف الخارج عن محلّ الابتلاء أيضا موردا للتكليف، و موضوع الأصل عبارة عن احتمال التكليف و عدمه، و هذا الموضوع ثابت في المقام، فيتعارض الأصلان و يتساقطان، فصاروا بصدد بيان عدم ثبوت التكليف في موارد الخروج عن محلّ الابتلاء توجيها لعدم جريان الأصل في ذلك الطرف.
و نحن نجعل هذا الإجماع من قبلهم إلاّ نادرا - من قبيل ما ذهب إليه السيّد الأستاذ - مؤيّدا لما بيّناه، من الارتكاز العقلائيّ، فكأنّه ناشئ من ارتكاز شمول دليل الأصل للطرف الداخل في محلّ الابتلاء، دون الطرف الآخر، و وقع الاشتباه في تفلسف المطلب.
و قد ظهر بما نقّحناه: أنّه على تقدير قصر النّظر على الأصول العقليّة لا وجه لانحلال العلم الإجماليّ، و يكون حاله حال سائر العلوم الإجماليّة، و على تقدير الالتفات إلى الأصول الشرعيّة ننتهي إلى الانحلال الحكميّ، لاختصاص المؤمّن الشرعي بالطرف الداخل في محلّ الابتلاء.
بقي علينا ما وعدناه من البحث في اشتراط التكليف بالدخول في محلّ الابتلاء و عدمه، فنقول: - إنّ بعض كلماتهم في مقام بيان وجه اشتراط التكليف بالدخول في محلّ
- الترخيص من الخارج عن محلّ الابتلاء لضآلة التزاحم الموجود بين الغرضين، أو آمنّا بما قلناه من أنّ الترخيص في الطرف الداخل في محلّ الابتلاء، بشرط خروج الطرف الآخر عن محلّ الابتلاء، لا يعارضه شيء، لضمان عدم المخالفة القطعيّة، فإن آمنّا بالثاني فهو يأتي في مورد العجز حرفا بحرف. و إن آمنّا بالأوّل فهو يأتي في مورد العجز بأوضح منه في مورد الخروج عن محلّ الابتلاء، إذ في مورد الخروج عن محلّ الابتلاء، كان يقال: إنّ التزاحم الضئيل العقليّ الموجود لا يراه العرف لضآلته، فينصرف إطلاق دليل الترخيص عن مورده، في حين أنّه في مورد العجز الكامل لا يوجد تزاحم، حتى بالمستوى الضئيل العقليّ.