مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٨
بمراجعة الفهم العرفي، فمثلا لو قال مولى عرفيّ لعبده: إذا رأيت شخصا يغرق و لم تحرز كونه محبوبا لي و أنّي أهتمّ بنجاته، فليس من اللازم عليك إنجاؤه، ثمّ رأى العبد شخصين يغرقان يعلم إجمالا بأنّ واحدا منهما محبوب للمولى، و يهتمّ المولى بنجاته، فتركهما حتى غرقا معا، ثمّ اعتذر عند المولى: بأنّي رأيت أنّ كلّ واحد منهما داخل تحت العنوان الّذي بيّنته من عدم إحراز كونه محبوبا لك فتركته، لعدّ ذلك من المضحكات.
و بكلمة مختصرة: أنّ عدم شمول دليل الترخيص لأطراف العلم الإجماليّ - يكون في المرتبة السابقة عن التفتيش عن نكتة ذلك - من الواضحات بحسب الفهم العرفي.
و أمّا النكتة في ذلك فأمران:
الأمر الأوّل: أنّنا لا ندّعي أنّ قوله مثلا: (ما لا يعلمون) غير شامل لهذا الطرف أو لذاك الطرف، حتى يقال: إنّ هذا خلاف الإطلاق و مقدّمات الحكمة، بل إنّنا نقول: إنّ المحمول الّذي حمل على موضوع (ما لا يعلمون) يوجد فيه ضيق، فبالرغم من تطبيقه على موضوعه في ما نحن فيه لا يثبت التأمين، و ذلك لأنّ الظاهر عرفا من الترخيص في المشكوك بما هو مشكوك المستفاد منه عرفا الحكم الظاهريّ، إنّما هو عدم الاهتمام بالإلزام الاحتماليّ، و المشكوك بما هو كذلك في قبال الترخيص الاحتماليّ، و تقدّم الثاني على الأوّل لأقوائيّته محتملا كما في الأصول، أو احتمالا كما في الأمارات، فليكن فيما نحن فيه - أيضا - الإلزام الاحتماليّ في كلّ واحد من الجانبين بما هو كذلك غير مهتمّ به في قبال الترخيص الاحتماليّ، لكنّ هذا لا ينافي الاهتمام من جهة أخرى، و ذلك بأن يهتمّ بالإلزام القطعيّ في قبال ما اشتبه من ترخيص قطعيّ أو احتماليّ، فبالنتيجة إنّما تثبت البراءة في خصوص تزاحم الأغراض في باب الشبهات البدويّة.
و بكلمة أخرى: أنّ هنا لونين من التزاحم: أحدهما: تزاحم غرض إلزاميّ احتماليّ لغرض ترخيصيّ احتماليّ، و الآخر: تزاحم غرض إلزاميّ قطعيّ لغ رض ترخيصيّ قطعيّ، و هذان القسمان كما هما مختلفان ذاتا، قد يختلفان حكما، فيحفظ مثلا جانب الإلزام قطعيّا أو احتماليّا في مورد العلم الإجماليّ، في حين أنّه لم يحفظه في الشكّ البدويّ، و لا ملازمة بين تقديم جانب الترخيص في مورد الشكّ البدويّ، و تقديمه في مورد العلم الإجماليّ، فإنّ الّذي يخسر المولى في مقابل