مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٤٦
استصحاب التكليف بعد الموافقة الاحتماليّة:
التنبيه الحادي عشر:
قد عرفت حتّى الآن قاعدة تنجيز العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعيّة، و يمكن استبدال هذه القاعدة بأمر آخر يؤدّي دورها، و هو استصحاب بقاء التكليف بعد الموافقة الاحتمالية، فيثبت لزوم الموافقة القطعيّة، حتى إذا أنكرنا قاعدة تنجيز العلم الإجمالي للموافقة القطعيّة. و هذا لو تمّ يؤثّر في نطاق أوسع من نطاق تأثير تلك القاعدة، لأنّك عرفت أنّ العلم الإجمالي إذا وجد بعد سقوط التكليف في بعض الأطراف بامتثال اتّفاقي أو عصيان اتّفاقي أو نحو ذلك، لم تتمّ قاعدة منجّزيّته، و لكن الاستصحاب لو تمّ يجري في المقام أيضا [١]، و قد مضى ذكر هذا الاستصحاب في بعض جزئيّاته، و هو في فرض طروّ الاضطرار إلى أحد الطرفين بعينه بعد التكليف و قبل العلم، حيث مرّت هناك شبهة التنجيز بهذا الاستصحاب، و قلنا هناك: إنّه إن أريد استصحاب واقع الحكم المعلوم بالإجمال، فهو استصحاب للفرد المردّد بين ما يقطع بزواله و ما يقطع بعدم زواله، و هو غير جار، و إن أريد استصحاب الجامع، فهو جامع بين ما يقبل التنجيز و ما لا يقبل التنجيز، فيثبت الجامع بين حكم المولى القابل للتنجيز و طيران الطير في الهواء مثلا، و لا يمكن تنجيز مثل هذا الجامع.
[١] و من ناحية أخرى يكون تأثير هذا الاستصحاب أضيق نطاقا من تأثير منجّزيّة العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعيّة، لأنّه لا يحرّم مخالفة بعض الأطراف في حين بقاء الطرف الآخر في محلّ الابتلاء، فمثلا لو علمنا بحرمة أحد الإناءين، و كلاهما كانا داخلين في محلّ الابتلاء، و قلنا بعدم تنجيز العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعيّة، حلّ شرب أحدهما، و لا استصحاب في المقام، و لو كان، فلم يكن أحسن حالا من العلم نفسه. نعم، يفيد هذا الاستصحاب لو تمّ بعد خروج أحد الطرفين عن المورديّة بعصيان، أو زوال موضوع، أو بالامتثال، و هذا الثالث - و هو سقوط أحد الطرفين بالامتثال - يغلب وقوعه في الشبهات الوجوبية، كما لو علم إجمالا بوجوب الظهر أو الجمعة، فصلّى الجمعة، و كأنّه لهذا نرى أنّ المحقّق العراقيّ رحمه اللّه إنّما ذكر شبهة الاستصحاب في الشبهات الوجوبية، و لم يذكرها في الشبهات التحريمية.