مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٩٧
أقول: أمّا ما ذكره - من تسليم المنافاة في الجملة بين التكليف الواقعي و هذا الترخيص، لكون العلم الإجماليّ علّة تامّة لتنجيز وجوب الموافقة القطعيّة - فيرد عليه: أنّ معنى كون العلم الإجماليّ علّة تامّة لتنجيز وجوب الموافقة القطعيّة هو كونه كالعلم التفصيليّ فيما له من أثر في مقام التنجيز من دون أن يكون أثره معلّقا على عدم مجيء الترخيص، لكنّ العلم - سواء كان تفصيليّا أو إجماليّا - و إن كان دخيلا في التنجيز، إلاّ أنّه يوجد شيء آخر دخيل في التنجيز أيضا، و هو القدرة، فلو كلّف المولى عبده بما لا يقدر على بعض مراتب امتثاله، أو تمامها عقلا أو شرعا، و علم العبد بذلك لم تنجّز عليه تلك المرتبة من الامتثال، أو تمامها، إذ لا حقّ للمولى على العبد في خارج نطاق قدرته، و فيما نحن فيه لا يقدر العبد على مرتبة الامتثال القطعيّ إما عقلا و إمّا شرعا، كما إذا كان ترك ارتكاب أحد الطرفين مؤدّيا إلى هلاك النّفس، و كان حفظ النّفس واجبا أهمّ و مقدّما على هذا التكليف، و عليه فالتكليف هنا موجود، و لا يت نجّز بمرتبة وجوب الموافقة القطعيّة، لا لنقص في تأثير العلم حتى يقال: إنّ العلم علّة تامّة للتنجيز، بل لانتفاء الشرط الآخر لتنجّز هذه المرتبة، و هو القدرة عليها، فيتنجّز بمرتبة حرمة المخالفة القطعيّة، و هذا هو التوسّط في التنجيز.
و أمّا ما ذكره من أنّ هذا الترخيص ينافي إطلاق التكليف لا أصله، فيتّجه التوسّط في التكليف، فهذا ما يلتقي فيه كلام المحقّق العراقيّ رحمه اللّه مع كلام المحقّق النائينيّ قدّس سرّه في أجود التقريرات«»، حيث يختار هناك التوسّط في التكليف، لكنّه لوجه آخر غير وجه المحقّق العراقيّ رحمه اللّه، فإنّ الوجه فيما اختاره المحقّق العراقيّ رحمه اللّه للتوسّط في التكليف هو مسألة علّيّة العلم الإجماليّ لوجوب الموافقة القطعيّة، كما عرفت، لكن المحقّق النائينيّ رحمه اللّه لا يقول بالعلّيّة، إلاّ أنّه يقول هنا بأنّ الاضطرار و إن كان متعلّقا بالجامع، لكن أيّ فرد اختاره المكلّف، فكأنّ العرف يرى أنّ الاضطرار ثابت بالنسبة لذلك الفرد، فيكون الترخيص الواقعي فيه، فيقع المنافاة بينه و بين