مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٨٦
فقه جملة (لا ضرار)
المقام السادس: في فقه الحديث بلحاظ جملة (لا ضرار).
إنّ المفهوم عرفا من الضرار هو تعمّد الإضرار بلا حقّ، و هذا ما ينبغي أن يقصد بما مضى من أنّ الضرار هو تعمّد الإضرار و التفنّن فيه.
و الحديث إن كان مقتصرا على جملة (لا ضرار) لكان نافيا للحكم الّذي يأتي منه الضرر سواء كان الحكم بذاته ضرريّا كما في الحكم بلزوم البيع الغبني، أو كان ضرريّا بتوسّط إرادة مقهورة تحت الحكم الشرعي، أو قل: كان ضرريّا باعتبار امتثاله كما في وجوب الوضوء الضرري، أو كان ضرريّا بتوسّط إرادة غير مقهورة للحكم الشرعي، أي: باعتبار أنّ المكلّف بسوء اختياره يستغلّ الحكم الشرعي فيضرّر به، كما في جواز الدخول لسمرة حتّى بنحو ضرري، فإنّه لو جاز له ذلك كان ضرريّا على الأنصاري، باعتبار أنّ سمرة قد يختار النحو الضرري. و (لا ضرر) ينفي الضرر الناشئ من الحكم الشرعي في كلّ هذه الأقسام الثلاثة. و نتيجته هي رفع هذه الأحكام، فيرتفع لزوم البيع، و ينتفي وجوب الوضوء، و يحرم على سمرة الدخول بلا استئذان، و لكن إن كان سمرة عاصيا لهذا الحكم و كان يدخل بلا استئذان، فعلاج أمره و هو قطع الشجرة لا يظهر من (لا ضرر)، فإنّ حقّه الشرعي في إبقاء الشجرة إنّما ترتّب عليه الضرر باعتبار أنّ سمرة خالف حكما شرعيّا، و عمل عملا حراما فضرّر الأنصاري، فلا يرتبط ذلك ب (لا ضرر) و هنا يصل دور (لا ضرار)، فإنّ نفي الضرار ليس مفاده كمفاد نفي الضرر الّذي كان يفيد في المقام حرمة الفعل الضرري على سمرة، لأنّ الضرار قد أخذ في حاقّ مفاده معنى الحرمة - على ما مضى - فلا ضرار نفى للضرر الحرام بلحاظ ما في الشريعة، لا نفي للضرر بلحاظ ما في الشريعة، و معنى ذلك: نفي سبب وقوع الضرر الحرام، و سببه هو حقّ إبقاء الشجرة، فيرتفع هذا السبب، فيقطع الأنصاري شجرته و يلقيها في وجهه و يستريح منها [١]. و طبعا اتّخاذ
[١] لا يخفى أنّ كلام أستاذنا الشهيد رحمه اللّه في هذا المقام يوحي بأنّ استفادة مطلب جديد