مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٣٣
الجواب الثاني: أنّ مختارنا في الشبهة المفهوميّة للمعارض المتّصل هو عدم جواز التمسّك بالعامّ، و أنّ حال احتمال المعارض المتّصل هو حال احتمال القرينة المتّصلة، كما وضّحنا ذلك في الجواب الأوّل.
فإن لم نفرّق في الأمر بين الشبهة المفهومية للمعارض المتّصل و الشبهة المصداقية له، و ألحقنا الشبهة المصداقية بالشبهة المفهومية في عدم جواز التمسّك فيها بالعامّ تنزّلا عن الجواب الأوّل، كان لدينا في المقام جواب آخر و هو: أنّنا حتّى الآن فرضنا ارتكاز المناقضة عرفا بين الحكم الواقعي و الأصلين، حتّى إذا فرض عدم وصول أحدهما إلى العرف، لكنّنا نقول الآن: إنّ ارتكاز المناقضة إنّما يكون بين الحكم الواقعي و الترخيص الشامل الواصل شموله إلى العرف بما هو عرف لكلّ الأطراف، فإذا كان أحد الترخيصين غير واصل إلى العرف بما هو عرف، فمجرّد وجوده الواقعي منضمّا إلى الترخيص الآخر الواصل لا يناقض عرفا الحكم الواقعي، فلا بأس إذن بالتمسّك بإطلاق دليل الأصل في كلّ واحد من الطرفين لإثبات
- لدى الفهم العرفي التمسّك فيه بعموم (أكرم العلماء)، من دون فرق بين فرض الشبهة مفهوميّة، بأن كان مرتكبا للصغيرة، و شككنا في شمول مفهوم الفاسق لمن يرتكب الصغيرة، و فرضها مصداقية بأن شككنا في اقترافه للذنب و عدمه. فوعدني الأستاذ الشهيد رحمه اللّه بالتفكير في ذلك إن سنحت له الفرصة، ثمّ لم يذكر لي شيئا حول هذا الموضوع.
أقول: واقع المطلب هو أنّه إذا كان العامّ بنحو القضية الحقيقية، لم يبق فرق في عدم جواز التمسّك به بين الشبهة المفهومية لمعارضه المتّصل، و الشبهة المصداقية، و ذلك لأنّه صحيح أنّ المولى لا يعلم في فرض الشبهة المصداقيّة بنصبه للمعارض، لكنّه في نفس الوقت - أيضا - لا يعلم بأنّه هل أراد العموم في الفرد المشكوك، أو لا؟ إذ لو لم يكن ذاك الفرد مصداقا للمعارض، فقد أراد العموم، و إن كان مصداقا له، لم يرد العموم، و هو يعلم أنّه إن لم يرد العموم، فقد نصب المعارض، فلا يرد أنّه كيف اعتمد في المقام لإسقاط الظهور على نصب المعارض مع جهله هو بنصب المعارض، فإنّنا نقول: إنّه يعل م بأنّه على تقدير عدم إرادته للظهور قد نصب المعارض، ففي مثال (أكرم العلماء، و لا تكرم الفسّاق)، و إن لم يكن يعلم في العالم المشكوك فسقه بنحو الشبهة المصداقية بنصب المعارض، لكنّه يعلم بأنّه لو لم يكن مرادا من العموم، لكونه فاسقا، فقد نصب المعارض، و فيما نحن فيه و إن لم يكن يعلم بنصب المعارض، و هو الأصل في الطرف المشكوك دخوله في محلّ الابتلاء بنحو الشبهة المصداقية، لكنّه يعلم بأنّ الأصل في الطرف المقطوع دخوله في محلّ الابتلاء لو لم يكن مرادا، لكون الفرد الآخر داخلا في محلّ الابتلاء، فقد نصب المعارض.