مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٩٥
و يرد عليه بغضّ النّظر عن أنّ ما اعتمدنا عليه إنّما هو الحديث غير المشتمل على كلمة (في الإسلام) و ليس النصّ المشتمل عليها معتبرا: أنّ الإسلام عبارة عن حدود معيّنة للبشر من قبل اللّه تعالى سواء كانت وجوديّة، أو عدميّة بمعنى عدم التحريم و إطلاق العنان.
فتحصّل: أنّ الحديث يشمل عدم الحكم إذا كان ضرريّا كما يشمل الحكم الضرري، بلا حاجة في إثبات ذلك إلى بعض التكلّفات، كالقول بأنّ الإباحة و عدم الإلزام و إن كان في الواقع أمرا عدميّا، لكنّها بالمسامحة العرفيّة أمر وجودي، أو القول بأنّ الإباحة أمر وجودي كباقي الأحكام الخمسة، فترفع بالحديث إذا كانت ضرريّا.
و الصحيح أنّها ليست إلاّ عبارة عن عدم الإلزام، ثمّ لو فرض كونها أمرا وجوديّا فنفيها ب (لا ضرر) لا فائدة فيه، فإنّ نفي الإباحة لا يدلّ على الحرمة، و ما لم تثبت الحرمة لا يرتدع العبد، و لا وجه لتخيّل ثبوت الحرمة بنفي الإباحة إلاّ أحد أمرين:
الأوّل: دعوى أنّ الشيء لا يخلو من أحد الأحكام الخمسة، فنفي الإباحة دليل على الحرمة.
و يرد عليه: أنّ ما تتخيّل دلالته على عدم خلوّ كلّ قضية من أحد الأحكام الخمسة إنّما يدلّ على أنّ الشريعة لا تكون ناقصة، و يكفي في عدم نقصها تعيين موارد ثبوت الحكم عن موارد عدم الحكم و الإلزام.
الثاني: أنّ نفي الإباحة يدلّ عرفا على الحرمة بقرينة اللغويّة مثلا، و هذا إنّما يتمّ إذا نفيت الإباحة بالخصوص، لا في مثل (لا ضرر) الدالّ بإطلاقه على نفى الإباحة، فإن كان الإطلاق لغوا لم ينعقد، لا أنّه ينعقد و يحتاج في توجيهه إلى الالتزام بثبوت الحرمة.
و أمّا لزوم تأسيس فقه جديد من القول بشمول (لا ضرر) للأعدام الضرريّة فقد ذكر ذلك المحقّق النائيني رحمه اللّه و مدرسته، و استعرض المحقّق النائيني قدّس سرّه لتوضيح ذلك فروعا، نحن نقتصر على ذكر أهمّها، و هو فرعان:«»الفرع الأوّل: مسألة الطلاق، فذكر قدّس سرّه: أنّه لو قلنا بتعميم القاعدة للعدميّات، لزم أن نرفع به عدم ولاية الطلاق للمرأة، أو وليّها، أعني الحاكم الشرعي عند ضرريّة ذلك كما، إذا كان الزوج لا ينفق عليها عصيانا، أو لعدم القدرة على الإنفاق، كما إذا كان معسرا.