مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٧١
و هذان المسلكان يختلفان أوّلا: في أنّ الثاني يختصّ بمبنى الاقتضاء، إذ على مبنى العلّية لا أثر لوجود المعارض و عدمه، بخلاف الأوّل فهو يناسب مبنى العلّيّة أيضا، و لهذا تبنّاه المحقّق العراقي رحمه اللّه القائل بالعلّية.
و ثانيا: في أنّه على الأوّل تجري البراءة العقليّة أيضا، لأنّ العلم الإجمالي قد سقط أثره العقلي من العلّية أو الاقتضاء، و أمّا على الثاني فلا تجري البراءة العقليّة، لأنّ اقتضاء العلم الإجمالي ثابت على حاله، و إنّما لا تجب الموافقة القطعيّة للأصل الشرعي الخالي عن المعارض. و قد عرفت فيما سبق أنّ المختار هو المسلك الثاني دون الأوّل.
إذا عرفت ذلك، قلنا: إنّ المقصود هنا تطبيق المسلك الأوّل للانحلال على ما نحن فيه، و هنا قد يبدو تهافت في كلمات المحقّق العراقيّ رحمه اللّه، إذ هو يقول في الانحلال الحكمي بتنجّز بعض الأطراف، بأنّه إنّما ينحلّ بذلك لو لم يكن ذاك المنجّز علما إجماليّا آخر، نسبته إلى هذا العلم من حيث الأطراف عموم من وجه، فإن كان كذلك، فهو لا يقول بانحلال أحد العلمين بالآخر - و لو فرض أحدهما مقدّما زمانا -، في حين أنّه يقول في فرض التقدّم الرتبي بانحلال العلم المتأخّر رتبة، فيقال:
أي فرق بين التقدّم الرتبي و التقدم الزماني، حيث صار الأوّل موجبا لانحلال المتأخّر دون الثاني، و هو قدّس سرّه لم يذكر في صريح كلامه وجها للفرق بينهما، إلاّ أنّه يمكن استخلاص فرق بينهما بالتدقيق في عبائره، و هو أنّ التقدّم الزماني لا يفيد شيئا، لأنّ تنجّز العلم بقاء فرع الوجود البقائي للعلم المعاصر لحدوث العلم الثاني، فانحلال الثاني بالأوّل ليس بأولى من العكس، و هما يؤثّران في عرض واحد«»، و هذا بخلاف العلم المتقدّم رتبة، فإنّه يؤثّر في رتبته، و لا يمتدّ إلى رتبة العلم الثاني فيؤثّر، و عندئذ كيف يؤثر العلم الثاني؟ هل يؤثّر في الرتبة السابقة على نفسه أو يؤثّر في رتبته؟ و الأوّل غير معقول، إذ لا يعقل تأثير شيء في الرتبة السابقة على نفس المؤثّر، و الثاني أيضا غير معقول، لأنّ أحد طرفي العلم الإجمالي قد أصبح منجّزا في الرتبة السابقة فلا يقبل في هذه المرتبة تنجيزا، و المعلوم بالإجمال إن لم يكن قابلا للتنجيز على كلّ تقدير، لم يؤثّر فيه العلم.
و لكن الواقع أنّ كلامه رحمه اللّه لا يتمّ حتى بعد هذا التوجيه، و ذلك:
إمّا أوّلا، فلأنّ العلم الإجمالي الثاني و إن كان في طول العلم الإجمالي الأوّل