مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٨٧
هناك لم تلزم المخالفة القطعيّة من إجراء الأصلين في طرفي العلم الإجماليّ، و إنّما لزمت من نفس إجراء الأصل الأوّل، لتبيّن وجوب ما نفاه به، و هذا من قبيل ما إذا احتمل بدويّا وجوب شيء، و نفاه بالأصل، مع أنّه كان يحتمل أن سوف يحصل له العلم بأنّه كان واجبا، ثمّ حصل له ذلك العلم فلزمت المخالفة القطعيّة، و هذا لا بأس به.
هذا، و أمّا إذا قلنا: إنّ الوجه في عدم جريان الأصول في الأطراف ليس هو المحذور العقليّ، و إنّما هو الارتكاز العقلائيّ للمناقضة بين الترخيصات و الإلزام المعلوم بالإجمال، فعندئذ يجب أن نرجع إلى سعة دائرة هذا الارتكاز و ضيقها، لنرى أنّ ارتكاز المناقضة ثابت حتى في مثل هذا الفرض الّذي يحتمل أداء إجراء الأصل إلى الترخيص في المخالفة القطعيّة في أطراف العلم الإجمالي، و ذلك بأن يبقى العلم الإجماليّ على حاله، و يحتمل عدم أدائه إلى ذلك، و ذلك بأن لا يبقى العلم الإجمالي على حاله، أو أنّ الارتكاز في مثل ذلك غير ثابت؟ فان ثبت فلا يجري الأصل، و إلاّ جرى [١]، و مع الشكّ في ذلك - أيضا - لا يمكن إجراء الأصل.
ثم إنّ كلّ ما ذكرناه إنّما هو فيما إذا لم يكن للحكم الثاني أثر لزوميّ في الزمان الأوّل، بأن كان من الممكن تفويت القدرة في زمانه عليه في الزمان الأوّل، و إلاّ جرى الأصل النافي لذلك الحكم في الزمان الأوّل، و أصبح معارضا للأصل النافي للحكم الأوّل، و يتساقطان، كما أنّه إذا كان ذلك الحكم في الزمان الثاني موضوعا لحكم آخر في الزمان الأوّل، حصل العلم الإجماليّ بالحكم الأوّل، أو هذا الحكم المترتّب على الحكم في الزمان الثاني، و منع ذلك عن نفي الحكم الأوّل بالأصل النافي.
ثم إنّه يمكن أن يفترض أنّ العالم بالإجمال في التدريجيّات يعلم بأنّ هذا
[١] لا يبعد التفصيل في ذلك بين ما إذا كان احتماله لزوال العلم الإجماليّ في المستقبل بنحو يبطل جزمه بكون الأصل الّذي يجريه فعلا لنفي الطرف الحالي جزءا من الترخيص في المخالفة القطعيّة، و ما إذا لم يكن كذلك، ففي الفرض الأوّل لا يكون الارتكاز ثابتا، و يجري الأصل فعلا لنفي التكليف الحاليّ، و ذلك كما لو احتمل زوال العلم الإجماليّ في المستقبل بحصول العلم التفصيليّ بالحكم الثاني، و في الفرض الثاني يكون الارتكاز ثابتا و لا يجري الأصل في المقام، و ذلك كما لو لم يحتمل زوال العلم الإجماليّ في المستقبل بحصول العلم التفصيليّ بالحكم الثاني، و إنّما احتمل زواله بحصول العلم التفصيليّ بالحكم الأوّل، أو بالشكّ الساري في أصل المعلوم بالإجمال.