مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٣٢
في الترخيص فيه، و هذا الظهور يكون معارضا، لكن هذه المعارضة مخفيّة حتّى على نفس المولى بما هو مولى، لأنّ المولى ليس المفروض فيه - بقطع النّظر عن علم الغيب - أن يكون مطّلعا على حال المصداق، و هذا بخلاف الشبهة المفهوميّة التي يكون الشكّ فيها شكّا لنا، لا للعرف، فإنّ المولى هناك على تقدير المعارضة قد نصب معارضا واضح المعارضة، و من الواضح: أنّ الطبع العقلائي الّذي يتطلّب نصب المعارض - على أقلّ تقدير - لدى عدم إرادة المعنى الّذي كان للكلام ظهور أوّليّ فيه لا يكتفي بمعارض مخفيّ المعارضة حتّى على نفس المولى، و إنّما المقصود بذلك نصب معارض يعلم المتكلّم نفسه بمعارضته، و ما دام المعارض في مورد الشبهة المصداقيّة غير معلوم المعارضة حتّى لدى المتكلّم، فلنا أن نأخذ بالإطلاق في الإناء المعلوم الدخول في محلّ الابتلاء، و ليس ارتكاز المناقضة بين الواقع و الأصلين قرينة على خروج هذا الإناء عن إطلاق دليل الأصل، حتّى يدخل ذلك في احتمال القرينة المتّصلة، و إنّما هو قرينة على عدم إرادة الأصلين معا، فيقع التعارض بين الأصلين، فهو داخل في احتمال المعارض، و حيث إنّه لا يحتمل معارض نصبه المولى، و هو عالم به بما هو مولى، إذن يؤخذ بظاهر الكلام في الإناء الداخل يقينا تحت الابتلاء، و يثبت بذلك أنّ الأصل في الطرف الآخر مقيّد بفرض العلم بالدخول في محلّ الابتلاء، فإنّه و إن كان دخل العلم بالموضوع في الحكم خلاف الإطلاق، لكنّ ظاهر حال المولى حينما يفرض بنحو القضيّة الحقيقيّة العلم بدخول أحد الطرفين في محلّ الابتلاء و الشكّ في الآخر أنّ الإطلاق بالنسبة للأوّل مراد له، و بالنسبة للثاني ليس مرادا له، لأنّه إن لم يرد الثاني فعلى الأقلّ اعتمد على جعل المعارض، و هو الأصل في الأوّل، و لكن إن لم يرد الأوّل لم يعتمد حتى على جعل المعارض، لأنّ فرض الشكّ في الدخول في محلّ الابتلاء مساوق لفرض شكّ نفس المتكلّم في ذلك، المساوق لفرض شكّه هو في جعل المعارض [١].
[١] قلت لأستاذنا الشهيد (رضوان اللّه عليه): إنّ بالإمكان التمثيل بمثال عرفيّ واضح يجسّد لنا عدم الفرق بين الشبهة المفهومية للمعارض المتّصل و الشبهة المصداقية له في عدم جواز التمسّك بالعامّ، فلا يبقى - عندئذ - شيء عدا التفتيش عن النكتة الفنّيّة لذلك، و ذلك المثال عبارة عمّا إذا قال المولى: «أكرم العلماء، و لا تكرم الفساق»، فقوله: «لا تكرم الفسّاق» معارض متّصل لعموم قوله: «أكرم العلماء»، و ليس قرينة متّصلة، لأنّه ليس أخصّ من الأوّل، و إنّما النسبة بينهما عموم من وجه، فإذا شككنا في فسق عالم من العلماء نجد أنّه ليس من الصحيح