مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٤٨
الغربة و الوحدة، و المحدّث في الخلوة، و الدليل في السراء و الضراء، و السلاح على الأعداء، و الزين على الأخلاّء، يرفع اللّه به أقواما فيجعلهم في الخير قادة تقتبس آثارهم، و يقتدى بفعالهم، و ينتهى إلى آرائهم، ترغب الملائكة في خلّتهم، و بأجنحتها تمسحهم، و في صلواتها تبارك عليهم، يستغفر لهم كلّ رطب و يابس حتّى حيتان البحر و هو أمّه و سباع البر و أنعامه...» إلى آخره«».
و هذه الروايات لا ينبغي الإشكال في دلالتها على وجوب طلب العلم، إلاّ أنّ حمل العلم فيها على مجرّد الاطّلاع على الأحكام اللزوميّة الواقعة في محلّ ابتلاء المكلّف سواء كان الاطّلاع عليها عن طريق الاجتهاد أو التقليد - و هذا هو وجوب الفحص الّذي نتكلّم عنه في المقام - خلاف الظاهر، و إنّما الظاهر منها: هو أن يكون المراد بالعلم مرتبة من الثقافة الإسلاميّة التي كان يعبّر عنها في عصور المجتمع الإسلامي - وقتئذ - بالعلم بقول مطلق، و حتّى الآن يعبّر بكلمة (العلم) عن مرتبة خاصّة من الثقافة المعمّقة، و هذه المرتبة نشأت منذ عصر النبي صلّى اللّه عليه و آله، و نمت بعد ذلك في عصور الأئمة عليهم السلام، فإنّ جملة من الصحابة تميّزوا بقريحة فقهيّة، و يحفظ الآثار و الأخبار بحيث كانوا مرجعا في الحلال و الحرام بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله، و مثل هذا التمييز حصل في جملة من أصحاب الأئمة عليهم السلام على طول الخطّ منذ زمان أمير المؤمنين عليه السلام إلى أيام الإمام الحسن العسكري عليه السلام، فإنّ هناك جماعة كانوا في كلّ جيل يحملون ثقافة الشريعة الإسلاميّة و أحكامها حملا اجتهاديّا تفصيليّا على مستوى وضع العلم وقتئذ، (لا على مستواه في هذا المراحل التي نحن نعيشها)، و هذا المعنى من العلم لا يفرق فيه بين الأحكام الداخلة في محلّ ابتلاء الشخص و غيرها، و لا يشمل هذا العلم مجرّد التقليد، و كلّ مرتبة من مراتب المعرفة البسيطة، و العلم و إن كان لغة بمعنى الانكشاف، لكن بحسب المصطلح العرفي السائد اجتماعيّا منذ عصر الأئمة و إلى يومنا هذا يطلق على مرتبة مخصوصة معمّقة من المعرفة، و ليس كل انكشاف علما، فتكون هذه الروايات ظاهرة في هذا المعنى، و تؤيّد ذلك القرائن المنتشرة في نفس متون الروايات، فمثلا: في بعض الصيغ ذكرت المقارنة بين حال العالم و حال الجاهل، و ذكرت في بعض الصيغ فوائد العلم و شأن العالم و جلاله، و أنّ العلم يؤنس الإنسان في وحشته و في غربته، و هو السلاح على