مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٢١
بالإنسان إلى حدّ يتراءى بحسب النّظر العرفي كأنّه ضرر مطلق. و لا مئونة في إطلاق كلمة (الضرر) عليه بلا قيد، فيشمله حديث (لا ضرر)، و ذلك كما في تخلّف الأغراض المعامليّة من الشروط الضمنيّة و الصريحة حيث يحكم فيها بالخيار بقاعدة لا ضرر، فإنّ جهة صدق الضرر و هي الغرض المعاملي كأنّها لا تعتبر قيدا في نظر العرف، لشدّة التصاقها بالإنسان، فكأنّ الضرر مضاف ابتداء إلى الشخص بما هو شخص.
الناحية الثانية: من حيث الناظر و الحاكم بصدق الضرر، فقد يكون الضرر مطلقا كما في قطع اليد مثلا، و أخرى يكون مقيّدا أي: بلحاظ بعض الأنظار و القوانين دون بعض، كأن تحكم الدولة مثلا بعدم مالكيّة الشخص لما أحياه من الأرضين، فإنّ هذا ضرر في نظر النظام الرأسمالي أو الإسلامي، لا في نظر النظام الشيوعي مثلا، و حديث (لا ضرر) يشمل الضرر المطلق. و أمّا الضرر المقيّد المختلف باختلاف الأنظار، فإن استفدنا كونه ضررا بنظر الشارع من نفس حديث (لا ضرر) - على ما يأتي بيانه إن شاء اللّه - [١] أو من أيّ دليل آخر، شمله حديث (لا ضرر).
و إن لم يكن ضررا بنظر الشارع الّذي حكم بقاعدة لا ضرر فالضرر في كلامه غير شامل لذلك.
ثمّ إنّهم ذكروا: أنّ الضرر هو النقص في المال، أو النّفس، أو العرض، و نحن نستبدل كلمة العرض بكلمة الكرامة حتّى تكون أشمل.
و قد يستشكل في عطف العرض على المال و النّفس لما يرى من عدم صدق الضرر على العرض إذا نظر الأجنبي إلى واحد من حريم الشخص مثلا، مع أنّه لم يحفظ حقّ عرضه.
[١] الّذي سوف يأتي في آخر المقام الخامس و هو في فقه الحديث بلحاظ جملة (لا ضرر) هو أنّ لا ضرر يشمل زائدا على الأضرار الحقيقية الأضرار الارتكازيّة في عرف زمان الشارع، و ذلك إمّا بإطلاق لفظي بلحاظ أنّ الشارع هو فرد من أفراد العرف و يخاطب العرف، أو بإطلاق مقامي، بأن يحمل الضرر في لسان الشارع على معنى ما هو ضرر في نظر الشارع، و يقال: إنّ الإطلاق المقامي دلّ على اعتماد الشارع في تعيين ما هو الضرر عنده زائدا على الأضرار الحقيقية على الارتكاز و النّظر العرفي السائد وقتئذ في المجتمع الّذي كان يعيش به الشارع، فالشارع قد اعتمد الارتكاز العرفي قرينة على مراده، إذن فما اختاره رحمه اللّه هنا هو أحد الوجهين اللذين ذكرهما في ما يأتي.