مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٠٥
فإن قيل: إنّ طرفيه عبارة عن وجوب الحجّ و وجوب أداء الدين، قلنا: إنّه لا يعقل تحقّق هذا العلم الإجماليّ، حتى قبل إجراء الأصل الشرعيّ و العقليّ المؤمّن عن وجوب أداء الدين، فإنّه و إن فرض أنّ المكلّف يحتمل تنجّز أداء الدين عليه، و يحتمل عدم تنجّزه، و على تقدير عدم تنجّزه يجب عليه الحجّ، لكن ليس هنا علم إجماليّ بوجوب أحد الأمرين، إذ من المحتمل أن يكون وجوب أداء الدين منجّزا عليه من دون أن يكون هذا الوجوب ثابتا في الواقع، لأنّ التنجّز و اللابديّة العقليّة، و كذا الشرعيّة الظاهريّة لا يستلزم ثبوت الحكم واقعا. و على هذا الفرض لا يجب عليه أداء الدين كما هو المفروض، و لا الحجّ، لتوقّف وجوبه على عدم تنجّز أداء الدين، و المفروض تنجّزه.
و إن قيل: إنّ طرفيه عبارة عن وجوب الحجّ و تنجّز أداء الدين، قلنا: لا معنى للشكّ في تنجّز أداء الدين و عدمه بعد أن استقرّ عند كلّ شخص مبانيه في العلم الإجماليّ و الشكّ البدويّ، من المنجّزيّة و عدم المنجّزيّة و غير ذلك، بل إمّا يحصل القطع بتنجّزه، و إمّا يحصل القطع بعدم تنجّزه.
و على أيّة حال، فالصحيح في المقام: أنّ الأصل يجري في الطرف الّذي أخذ عدمه في موضوع الآخر، و يثبت وجوب الآخر واقعا إن كان مترتّبا على عدم وجوب الأوّل و لو ظاهرا، أو عدم تنجّزه، و إمّا إن كان مترتّبا على عدم وجوب الأوّل واقعا، فهذا العلم الإجماليّ لا يمنع عن جريان الاستصحاب في الطرف الأوّل، و التأمين من ناحيته بذلك، و إثبات وجوب الطرف الثاني ظاهرا بإحراز موضوعه بالاستصحاب، بناء على مبنانا من عدم علّيّة العلم الإجماليّ لوجوب الموافقة القطعيّة، و عدم مانعيّته عن الاستصحاب في أحد الطرفين من دون معارض.
و في الختام لا بأس ببيان الحال في ما ذكره المحقّق العراقيّ رحمه اللّه من أنّ العلم الإجماليّ يجب أن ينجّز كلا طرفيه في عرض واحد، فإذا لم يمكن ذلك لم يؤثّر العلم الإجماليّ في التنجيز.
و هذا صحيح بناء على ما يحكم به عقلنا من أنّ الموافقة القطعيّة - بما هي موافقة قطعيّة - واجبة للتكليف المعلوم بالإجمال. و من المعلوم أنّ الإتيان بكلّ واحد من الطرفين جزء للموافقة القطعيّة و التنجّز الثابت للمجموع، و هو الموافقة القطعيّة، ينبسط - لا محالة - على الأجزاء على حدّ سواء و هذا الكلام صحيح حتى على مبنانا: من أنّ العلم الإجماليّ ليس بيانا إلاّ