مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٩٢
التسليم و التسلّم و له موارد أخرى أيضا.
إذن فالدين و الضمان متباينان مفهوما، و النسبة بينهما عموم من وجه موردا، و الأوّل يملأ وعاء الذمّة و الثاني يملأ وعاء العهدة.
هذه هي أصل الفكرة التي يمكن أن تبيّن هنا الصناعة الفقهيّة لهذه المفاهيم.
فإذا اتّضح لك ذلك قلنا: إنّ الشيء الّذي تكون اليد تمام الموضوع بالنسبة له إنّما هو الضمان لا الدين، فالغاصب بمجرّد وضع يده على مال غيره يصبح ضامنا ضمان المسئوليّة، و انشغال العهدة التي تنتج وجوب الردّ إلى مالكه، و حرمة تصرّفه فيه، و أمّا الدين بمعنى انشغال الذمّة و تملّك المغصوب منه شيئا على الغاصب، فليس وضع اليد على مال غيره هو تمام الموضوع له، بل الجزء الأخير من موضوعه هو التلف، فالعلم الإجمالي الأوّل ليس علما بتمام موضوعه.
إلاّ أنّ المشهور لم يعزلوا أحد هذين المفهومين عن الآخر عزلا منسجما مع الصناعة التي بيّناها، و لهذا نراهم في مقام بيان ما يحصل عند ما يتلف مال الغير قد اختلفت كلماتهم، فبعضهم أرجع الضمان إلى الدين، و العهدة إلى الذمّة، و قال: بأنّ الضمان معناه هو انشغال الذمّة بالبدل من القيمة أو المثل، و بعضهم أرجع الدين إلى الضمان، و الذمّة إلى العهدة، و هم بين من يقول: بأنّ العين هي التي تكون في العهدة من حين الغصب و حتى بعد التلف، غاية الأمر أنّ الخروج عن عهدة العين في حال وجودها يكون بردّها إلى المالك، و في حال تلفها يكون بردّ مثلها أو قيمتها إليه، و من يقول: بأنّ الضمان هو كون مال الغير في عهدته و حينما يغصب العين تدخل في ذمّته كلّ ما لهذه العين من الماليّة و الخصوصيّات النوعيّة و الصنفيّة و الشخصيّة، و إذا تعذّرت الخصوصيّات الشخصيّة كما هو الحال في تلف العين خرجت من العهدة، و بقي الباقي في العهدة، فعليه إرجاع المثل. و إذا تعذّر ذلك - أيضا - كما في القيميّات بقيت الماليّة في العهدة فعليه إرجاع القيمة.
و لو تمّت هذه المباني لم يصحّ - أيضا - ما ذكر في المقام من أنّ العلم الإجمالي الأوّل هو علم بتمام الموضوع للحكم بالضمان، فلو تلفت إحدى الشجرتين انشغلت الذمّة في المقام.
فمن قال بأنّ الضمان عبارة عن انشغال الذمّة بالبدل لا بدّ له من الالتزام بأنّ الغاصب قبل أن تتلف عنده العين المغصوبة ليس ضامنا بالفعل، إذ لا معنى لانشغال الذمّة بالبدل مع وجوب دفع العين خارجا، لأنّ الغاصب لا يلزمه الدفع مرّتين: مرة