مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٨١
على ما في التقريرات -، و دعت المحقّق العراقيّ [١]«»إلى إبراز علم إجماليّ آخر منتزع عن هذا العلم الإجماليّ يكون بين حكمين فعليّين، فينسب التنجيز إلى هذا العلم الإجماليّ الثاني. و ذلك ببيان أنّ العلم الإجماليّ بأحد الحكمين الآن أو مستقبلا و إن لم يكن علما بالحكم الفعليّ على كلّ تقدير، و لكن يتولّد من ذلك علم إجمالي بأنّه إمّا يجب عليه الحكم الأوّل الفعليّ، أو يجب عليه بالفعل حفظ القدرة للواجب الثاني، لأنّه قد ثبت بوجه من الوجوه وجوب حفظ القدرة للواجبات الاستقباليّة، و به يتغلّب على مشكلة المقدّمات المفوّتة، و هذا العلم الإجماليّ يكون علما بين حكمين فعليّين، و يكون منجّزا.
أقول: يرد على ذلك: أوّلا - أنّ وجوب المقدّمات المفوّتة حكم عقليّ كما يعترف هو قدّس سرّه بذلك، و ذلك من باب حكم العقل بالتنجيز، فلا يجب حفظ القدرة للواجب الاستقباليّ إذا لم يكن منجّزا، كما إذا لم يكن طرفا للعلم الإجماليّ، بل كان مشكوكا بالشك البدويّ، فوجوب حفظ القدرة في المقام فرع تنجّز هذا الحكم بالعلم الإجماليّ الأوّل، فإن لم يكن منجّزا لم يتولّد العلم الثاني، و إن كان منجّزا فلا حاجة إلى دسّ مسألة حفظ القدرة [٢] في المقام، فملاك ما هو المركوز في ذهنه قدّس سرّه ليس هو ذلك.
[١] و ذكر رحمه اللّه هناك - أيضا - وجها آخر لحلّ إشكال عدم تعلّق العلم الإجماليّ بتكليف فعليّ على كلّ تقدير، و هو أنّ الأحكام في رأيه قدّس سرّه كما في رأي أستاذنا الشهيد رحمه اللّه فعليّة منذ البدء، و إنّما الّذي يتأخّر إلى حين مجيء الشروط هو فاعليّتها، إذن فالعلم الإجمالي في المقام علم إجمالي بتكليف فعليّ على كلّ تقدير.
أقول: إنّ هذا الوجه غير صحيح، فإنّنا لو أردنا أن نتكلّم بهذه اللغة، قلنا: إنّ العلم الإجماليّ إنّما يكون مؤثّرا إذا كان علما بتكليف فاعل على كلّ تقدير، أمّا إذا كان علما بتكليف فعليّ مردّد بين أن يكون فاعلا بالنسبة لي أو غير فاعل بالنسبة لي إلى الأبد، لعدم تحقّق موضوعه فيّ، فأيّ قيمة لهذا العلم الإجماليّ؟ إذن فالمهمّ في الجواب توضيح أنّه تكفي فعليّة الحكم أو فاعليته (على اختلاف لغات المدارس الأصولية) في وقته، و إن كان مستقبلا.
[٢] و يمكن الإيراد - أيضا - على المحقّق العراقيّ رحمه اللّه بأنّ العلم الإجمالي المردّد بين حكم العقل و حكم الشرع لا يقبل التنجيز، لأنّ حكم العقل المحتمل بنفسه لا مؤمّن له، فاحتمال التنجيز منجّز، و يبقى الطرف الآخر، و هو الحكم الشرعي مشكوكا بالشكّ البدويّ، و مجرى لقاعدة (قبح العقاب بلا بيان).