مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٥٨
منفي بلا ضرر، فقاعدة (لا ضرر) تفيد الإمضاء في أمثال هذه الموارد ممّا يكون الضرر فيها في طول حقّ عقلائي، كما تفيد التأسيس في موارد الضرر الحقيقي الأصلي.
و المحقّق العراقي قدّس سرّه هذا العالم الخبير البصير أدرك بذهنه الوقّاد أنّ حديث (لا ضرر) يوجد له متمّم في المرتبة السابقة عليه، فسلخ حديث (لا ضرر) عن كونه مؤسّسا لقواعد فقهيّة، نظير مؤسّسيّة أصل البراءة و الاستصحاب مثلا، و جعله مشيرا إلى قواعد مجعولة من قبل«»، نظير ما مضى بشأن حديث مسعدة بن صدقة الّذي جاء فيه: «كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام»، و خالف قدّس سرّه بذلك المشهور الذين فرضوا هذا الحديث مؤسّسا لقواعد فقهيّة، و الصحيح ما عرفته منّا من الموقف الوسط.
الأمر الثاني: أنّ تخيّل ابتلاء حديث (لا ضرر) بكثرة التخصيصات نشأ من الجمود على الظهور الأوّلي للكلام بغض النّظر عن مناسبات الحكم و الموضوع، و الارتكازات الاجتماعيّة. توضيح ذلك: أنّ من مقوّمات الشريعة بحسب المرتكز العقلائي اشتمالها على قواعد و نظم تحقيق العدالة الاجتماعيّة من قصاص، و ضمان، و ضرائب ماليّة و نحو ذلك، فحينما ينفي الضرر بالنسبة إلى شريعة يجب أن تحفظ شريعيّة الشريعة، ثم يقال: إنّها ليست ضرريّة، فنفي تحقّق الإضرار من قبل الشريعة لا يشمل أمثال هذه الأمور، و ليس من قبيل نفي تحقّق الأضرار من قبل زيد مثلا، فإنّ ضرريّة كلّ شيء بحسبه، و لو أنّ أحدا قال: إنّه عندي شريعة لا يرد منها ضرر على أيّ أحد فهي لا تضمّن المتلف، و لا تعاقب السارق، و لا تقتصّ من القاتل، و لا تجبي ضريبة ماليّة من أيّ شخص و هكذا، لاستهزئ به، و قيل له: أيّ شريعة أضرّ من هذه الشريعة؟ هذا بالنسبة للإضرار المحقّقة لسعادة المجتمع و العدالة الاجتماعيّة، و بعد هذا لم يبق حكم ضرري مخصّص لقاعدة (لا ضرر)، أو أنّه بقي بمقدار غير مستهجن، فهي من قبيل سائر العمومات التي قد تخصّص، و من الواضح أنّه ليس كلّ ما يكون من قبيل الصلاة و الصوم ضررا، إلاّ بمعنى النقص في حقّ الحرية و الراحة، لكنّه ليس للعبد مثل هذا الحقّ تجاه المولى تبارك و تعالى.