مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٥٣
شيء من الأضرار التكوينيّة على الإطلاق، و هذا المدلول يبقى أصله و يرتفع إطلاقه إن رفعنا اليد عن الظهور السابع بالقرينة، و أمّا إن رفعنا اليد عن الظهور الأوّل مثلا، و فرضنا كون (لا) ناهية، فأصل المدلول يتغيّر و يصبح مدلولا محصّلا آخر، و يرتفع إطلاق المدلول الأوّل بارتفاع موضوعه.
صحيح أنّه مع التصرّف في الظهور الأوّل مثلا لا حاجة إلى التصرّف في الظهور السابع، و هو الإطلاق، بل يبقى الكلام - عندئذ - على إطلاقه، لكن لم يكن كلّ من الإطلاق، و كون (لا) للنفي، و كذا سائر الظهورات ظهورا مستقلاّ يعطي مدلولا مستقلاّ واحدا، بل العرف كان يعمل بارتكازه كل هذه الظهورات، و يملأ كلّ الفراغات، و يحصّل مدلولا واحدا، و هو نفي الوجود التكويني للضرر على الإطلاق، فالإطلاق في الكلام يكون إطلاقا لهذا المدلول، فيدور الأمر لأجل القرينة بين رفع اليد عن أصل المدلول و انتفاء إطلاقه بانتفاء الموضوع، و بين رفع اليد عن إطلاقه، و هذا معناه أنّ القرينة تنظر ابتداء إلى الإطلاق، و تنصبّ على الظهور السابع، فيتعيّن للسقوط، و لذا لا إشكال عند العرف، و عند العلماء في أنّه إذا قال المولى: (أكرم العالم) و دلّ دليل خاصّ على عدم وجوب إكرام زيد العالم لزم رفع اليد بذلك عن إطلاق العالم، لا عن ظهور هيئة الأمر في الوجوب، و حمله على الاستحباب، و السرّ في ذلك إنّما هو ما ذكرناه: من أنّ القرينة تنصبّ أوّلا و بالذات على الإطلاق لا على ظهور الهيئة، فإنّ للكلام مدلولا محصّلا عرفيّا واحدا، و هو وجوب إكرام العالم على الإطلاق، و هذا الكلام إطلاقه غير مقصود بالقرينة المفروضة حتما، و لا وجه لرفع اليد عن أصل مدلوله، و تحقيق الكلام في ذلك بنحو أبسط موكول إلى مبحث التعادل و التراجيح.
الوج ه الثاني: أنّ القرينة فيما نحن فيه تكون بمنزلة القرينة المتّصلة، لبداهة وجود الأضرار الكثيرة في الخارج، و وضوح كون النبي صلّى اللّه عليه و آله متكلّما بهذا الكلام بما هو مشرّع و مقنّن للقوانين، و مهما كانت القرينة متّصلة و دار الأمر بين رفع اليد عن ظهور إطلاقي لتلك القرينة، أو ظهور آخر وضعي، أو سياقي لا ينعقد الظهور الإطلاقي تكوينا، و يتعيّن الأخذ بالظهور الآخر من دون لزوم المخالفة لظهور من الظهورات أصلا، و ذلك لأنّ قوام الإطلاق بعدم البيان و الظهور الآخر يصلح بيانا.
إن قلت: إنّ الظهور الآخر - أيضا - متقوّم بعدم بيان الخلاف، لأنّ القرينة المتصلة تمنع عن انعقاد الظهور، فكون الظهور الآخر مانعا عن انعقاد الظهور