مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٣
القسم الثاني: الصورة التي يخلقها الذهن البشريّ نفسه، و يلبسها على ما في الخارج، و يجعلها رمزا لكلّ فرد من الأفراد، و ثوبا قابلا للإلباس على كلّ فرد من الأفراد، فليست هذه الصورة قابلة للانطباق على ما في الخارج بالمعنى الصادق في القسم الأوّل، إذ ليست هي - في الحقيقة - جزءا مفسّرا لكلّ فرد، و موجودة في ضمن كلّ فرد من الأفراد، و إنّما هي رمز يرمز به إلى الفرد الخارجيّ بقشوره، و هذه الصورة كثيرا ما يخلقها الذهن البشريّ، خصوصا إذا لم يستطع أن يسيطر على الأفراد، فينسج صورة بنفسه، حتى يرمز بها إلى أيّ فرد أراد، و ذلك كما في صورة العدم، حيث إنّه لا معنى لإتيان أفراد العدم من الخارج إلى الذهن، و أيّ شيء يرد إلى الذهن من الخارج لكي يقشّره و يكوّن منه صورة العدم الكلّي؟ فلمّا لم يستطع الذهن أن يسيطر على الأفراد صاغ هذا الرمز ليرمز به إلى الواقع، و مثله صورة الوجود، حيث إنّ أفراد الوجود لم تكن تأتي إلى الذهن حسب ما يقال من أنّ الوجود هو أنّه في الأعيان، و هذا لا يأتي في الذهن، فلمّا لم يقدر الذهن البشريّ على السيطرة على أفراده جعل في نفسه هذا الرمز كي يرمز به إلى الأفراد، و من هذه الصور المصوغة من قبل الذهن البشريّ عنوان (أحدهما) و نحوه، فهو عنوان رمزيّ، و ليس شيئا ينطبق على ما في الخارج، و جزءا من كلّ فرد، بل هو رمز لتمام ذاك الفرد بقشوره، و إذا أردنا أن نشبّهه بشيء في باب اللغة شبّهناه بالمشترك اللفظي الّذي هو رمز لكلّ واحد من المعاني بتمامه، لا لخصوص الجزء الجامع بينها، فهذه الرموز تجعل من قبل الذهن البشريّ من قبيل جعل الألفاظ رمزا إلى المعاني، إلاّ أنّها ليست بصناعة اللغة، كما في رمزيّة الألفاظ، بل بقوّة خاصّة في الفهم البشريّ أودعها اللّه (تعالى) فيه ليدرك بها الأشياء.
و في باب العلم الإجماليّ لمّا لم يستطع الذهن البشريّ أن يسيطر على الفرد الموجود من الفردين في الخارج و يصبّ العلم على صورته، نسج عنوان (أحدهما)، و انصبّ العلم على هذه الصورة التي هي رمز تصلح لأن يرمز بها إلى أيّ واحد من الفردين [١]، و هذا لا يرد عليه شيء من الإشكالات السابقة.
[١] إن كان المقصود: أنّ عنوان (أحدهما) رمز للواقع كرمزيّة اللفظ للمعنى فليس تحت هذا اللفظ مفهوم غير المفهوم المنطبق مباشرة على الواقع، فهذا واضح البطلان، فإنّ لدينا مفاهيم ثلاثة متباينة في عالمها، و هي مفهوم زيد مثلا و مفهوم عمرو، و مفهوم (أحدهما) بإرجاع الضمير