مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٦٨
مدر كهم في نفي الوجوب كلا الأمرين من القاعدة و حرمة الإضرار: أنّنا كيف نعرف أنّ الأصحاب كانوا يسلّمون بقاء الملاك في المقام؟ فإنّ إثبات بقاء الملاك إمّا يكون عن طريق ما ذهب إليه المحقّق العراقي قدّس سرّه من أنّ الدلالة الالتزاميّة للأمر بالوضوء على ثبوت الملاك لا تسقط عن الحجيّة بسقوط دلالته المطابقيّة عنها، أو عن طريق ما للمحقّق النائيني قدّس سرّه من مبنى أدقّ من هذا، و هو مسألة إطلاق المادّة في المرتبة السابقة على عروض الهيئة، و تفصيل ذلك موكول إلى محلّه، و كون الأصحاب معترفين بأحد المبنيين غير معلوم.
ثمّ الحقّ صحّة الوضوء في المقام لا لأحد المبنيين، فإنّنا لا نساعد على شيء منهما، بل لكون الوضوء مأمورا بأمرين: أمر وجوبي مقدّمي، و أمر استحبابي نفسي، و (لا ضرر) و إن أسقط الأوّل، لكنّه لا يسقط الأوامر الاستحبابيّة على ما سيأتي - إن شاء اللّه -. و نقول - أيضا - إنّ عدم ذهاب المشهور إلى الصحّة لا يدلّ على كونهم ناظرين إلى حرمة الإضرار، إذ لعلّهم لا يقولون بالاستحباب النفسيّ للوضوء، أو بعدم نفى (لا ضرر) للأوامر الاستحبابيّة.
النكتة الثانية: أنّهم مع اعترافهم ببطلان الوضوء إذا كان ضرريّا قالوا بالصحّة في خصوص ما إذا كان الشخص جاهلا بالضرر، و هذا إنّما ينسجم مع كون المدرك مسألة اجتماع الأمر و النهي، و تغليب جانب النهي، لما ذكروا في الأصول من أنّ هذا بابه باب التزاحم المؤثّر لدى العلم دون الجهل، فمثلا: الصلاة في المكان المغصوب جهلا صحيحة، و لا ينسجم مع كون المدرك قاعدة (لا ضرر)، فإنّ القاعدة لا يختصّ جريانها بصورة العلم، فلو تمّ الاستدلال بها ثبت البطلان حتّى في حال الجهل.
و يرد عليه بغضّ النّظر عمّا عرفت من أنّ هذا لو دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ حكمهم بالبطلان يستند إلى حرمة الضرر، و لا يدلّ ذلك على عدم استنادهم في نفي الوجوب إلى قاعدة (لا ضرر) و لو من باب الاستناد إلى مدركين: أنّ قاعدة (لا ضرر) إنّما تجري في صورة العلم دون الجهل، فلعلّهم أدركوا بذهنهم العرفي عدم جريان القاعدة في صورة الجهل، و السرّ في عدم جريانها في صورة الجهل: هو أنّ القاعدة ترفع الحكم ليرتفع الضرر، و هذا إنّما يعقل في صورة العلم، و أمّا في صورة الجهل فرفع الحكم لا يكون قابلا لرفع الضرر أصلا حتّى يثبت انتفاؤه بنفي الضرر، فإنّ المكلّف جاهل - حسب الفرض - بالضرر، فهو يتوضّأ حتّى لو رفع الوجوب الضرريّ، و لا يمكن إلفاته إلى عدم وجوب الوضوء عليه، إلاّ بأن ينسخ وجوب