مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٢٦
لتعديته، بمعنى: أنّ الفعل قبل إدخال هيئة فاعل عليه كان متعدّيا بذاته من دون أن يكون تعدّيه ملحوظا بالاستقلال، و بعد إدخال هيئة فاعل عليه يكون تعدّيه متقصّدا و ملحوظا بالاستقلال، و هذا يفيد نوع توكيد للتعدّي. هذا ما أفاده المحقّق الأصفهاني قدّس سرّه في المقام، و علينا البحث في كلّ هذه الأقسام الثلاثة من كلامه.
و لنبدأ بالقسم الثالث فنقول: أمّا ما ذكره: من عدم تغيّر معنى الفعل المتعدّي بإدخال هيئة (فاعل) عليه فغير صحيح، و الصحيح: هو تغيّر المعنى، كما يكون ذلك واضحا في الأفعال التي يتغيّر مفعولها بعد تغيّر معناها بإدخال هيئة (فاعل) عليها كطرحت الثوب و طارحت زيدا الثوب، فمفعوله كان هو الثوب فأصبح زيدا [١]، و كأنّ الخلط نشأ من ملاحظة الأفعال التي لا يتغيّر مفعولها بعد تغيّر معناها بإدخال هيئة (فاعل) عليها، كضربت زيدا و ضاربت زيدا، فتخيّل أنّ المعنى لم يتغيّر.
و أمّا ما ذكره من أنّ الفرق بين باب المفاعلة و المجرّد المتعدّي: هو كون التعدّي ملحوظا مستقلا، فلو كان المراد منه أنّ المفاعلة موضوعة لمفهوم التعدّي فلا معنى له، فإنّ مفهوم التعدّي معنى اسمي ليس له أيّ دخل بالمقام، و لا يستفاد من ضارب مثلا مادة و هيئة كما هو واضح.
و لو كان المراد: أنّ المفاعلة تدلّ على منشأ انتزاع التعدّي، فمنشأ انتزاع التعدّي هو نفس معنى الفعل الّذي دلّ عليه المجرّد، فلم يبق فرق بين المفاعلة و المجرّد.
هذا. و الّذي يستفاد من ذيل عبارته قدّس سرّه هو شيء آخر غير ما استفدناه من أوّل العبارة، و هو أنّ الفرق بين المجرّد و باب المفاعلة: هو أنّ باب المفاعلة موضوع لإفادة ما يفيده المجرّد مع التعدّي بمعنى: تقصّد الفاعل حين إصدار الفعل بلوغ الفعل إلى المفعول، فمثلا خدعه يكون في ذاته متعدّيا، و يكون بمعنى: أنّه ألبس عليه الأمر، و لكن لا يستفاد منه كونه تلبيسا متقصّدا، و أمّا خادعه فمعناه هو التلبيس مع التقصد و العمد.
و يرد على هذا: منع مساعدة العرف عليه خصوصا في بعض الموارد كقابلته، فإنّه يصحّ أن يقال: قابلته صدفة و كصادفته، فإنّ المادّة فيه لا تنسجم مع ما ذكره من المعنى.
[١] لا يخفى أنّ هذا ملحق بقسم تبدّل الفعل اللازم إلى المتعدّي، فإنّ الفعل كان متعدّيا إلى مفعول واحد و بإدخاله في هيئة المفاعلة عدّي إلى اثنين.