مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٢٧
و أمّا ما ذكره: من أنّ فائدة باب المفاعلة الّذي يكون مجرّده لازما هي ما يفيده حرف الجرّ، فهذا في الحقيقة خلط بين قسمين من التعدّي:
الأوّل: التعدّي بمعناه الحقيقي و هو كون الفعل صدوريا لا حلوليا من قبيل ضرب، و معنى التعدّي: هو أنّ معنى الفعل يكون سنخ معنى ينتهي من الفاعل إلى المفعول به، و يتقوّم بالفاعل و المفعول به معا، فالنسبة التي تدلّ عليها هيئة الفعل بنفسها تتطلب في أحد طرفيها مصبّين و حدّين: أحدهما الفاعل، و الثاني المفعول به، فهي نسبة تكون من أحد الطرفين ذات رأس واحد و هو مادّة الفعل، و من الطرف الآخر ذات رأسين: و هما الفاعل و المفعول به، و من هنا ظهر أنّ المفعول به طرف للنسبة التامّة كالفاعل.
و الثاني: التعدّي الحاصل بحرف الجرّ، و هذا في الحقيقة ليس تعدّيا بمعنى تغيير معنى الفعل الحلولي بنحو يصبح صدوريّا بحيث تكون النسبة في أحد طرفيها ذات رأسين، بل يبقى الفعل على حلوليّته، و إنّما حرف الجرّ شأنه تحصيص المادّة و تقييدها بالمجرور، فيصبح المجرور طرفا للنسبة الناقصة، ثمّ تنسب هيئة الفعل هذا المعنى المحصّص المقيّد إلى الفاعل، و التّعدية الناشئة من تغيير صيغة الفعل كتحويله إلى باب الأفعال أو المفاعلة تكون من القسم الأوّل، ففرق كبير بين (جالست زيدا) و (جلست إلى زيد). فجالست يعطي معنى يتقوّم بمعمولين، أي:
يحتاج بنفسه إلى فاعل و مفعول به و يكون صدوريّا، و أمّا (جلست إلى زيد)، فجلست يفيد معنى حلوليّا، و قد قيّد بكونه إلى جنب زيد، و نسب هذا الجلوس المقيّد إلى الفاعل.
و من هنا تظهر عدّة أمور:
منها: عدم صحّة ما ذكره المحقّق الأصفهاني قدّس سرّه: من أنّ فائدة باب المفاعلة في الأفعال هي فائدة حرف الجرّ.
و منها: أنّ ما ذكره النحاة: من أنّ الفعل اللازم يتعدّى بحرف الجرّ غير صحيح، إلاّ إذا أريد من ذلك التعدّي بمعنى أعمّ يشمل هذا النحو من التعدّي و هو تحصيص المادّة و تقييدها بشيء، و هو مباين هويّة لتعدّي الفعل الّذي يكون بنفسه متعدّيا، و إن كان يعطي نتيجته و يفيد فائدته، فجلست إلى زيد يفيد فائدة جالسته، فإن كان