مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٢
العلم الإجماليّ - أيضا - يتعلّق بالواقع، و أنّ الفرق بينه و بين العلم التفصيليّ في نفس العلم، و إنّما هو يستبده ما ذكره، و لكن يوجد في عبارته شيء لعلّه يراه هو البرهان على مقصوده، و ذلك الشيء هو أنّ الصورة الإجماليّة تنطبق على تمام ما في الخارج انطباق المجمل على المفصّل، و المبهم على المبيّن، و لا تنطبق على جزء منه فحسب انطباق الكلّيّ على الفرد، فلعلّ هذا إشارة إلى ما مضى منّا في الاستشكال في المبنى الثاني، من أنّنا نعلم بشيء زائد على الجامع الّذي هو جزء الفرد، إذ نعلم أنّ ذلك الجزء لا يستطيع أن يقف على قدميه.
و لكن يمكن الاستشكال في هذا المبنى - أيضا - بما يستخرج من مجموع كلمات المحقّق الأصفهانيّ من أنّ الحدّ الشخصي للفرد هل هو داخل تحت الصورة الإجمالية المنكشفة أو لا؟ و على الأوّل هل الداخل تحت دائرتها هو الحدّ الشخصي المعيّن، أو الحدّ الشخصيّ المردّد؟ فإن فرض دخول الحدّ الشخصيّ المعيّن تحت تلك الصورة المنكشفة أصبح العلم الإجماليّ علما تفصيليّا، و من المعلوم أنّنا لا نرى حدّا شخصيّا معيّنا في تلك الصورة الإجماليّة، و إن فرض دخول الحدّ المردّد تحتها فقد اتّضح بطلانه فيما سبق، و إن فرض عدم تعدّي العلم إلى الحدود الشخصيّة فهذا معنى تعلّق العلم بالجامع، و هكذا نرجع إلى المبنى الثاني، و الّذي هو - أيضا - بدوره يبطل بما مضى من البرهان، كما أنّه إن رجعنا إلى مبنى الفرد المردّد ورد علينا إشكال الفرد المردّد، إذن فما هو العلاج؟ و حيث إنّ العلم الإجماليّ أمر وجدانيّ راجع إلى وجدان كلّ أحد، فلذلك يحتمل قويّا أنّ مقصود من قال بتعلّق العلم بالفرد المردّد، و من قال بتعلّقه بالجامع، و من قال بتعلّقه بالواقع المعيّن شيء واحد، إلاّ أنّه قد نظر كلّ واحد منهم إلى جهة من جهات المطلب، فعبّر بالتعبير المناسب لها.
و تحقيق الحال في هذا المقام: هو أنّ الصورة الكلّيّة المستوردة في الذهن على قسمين:
القسم الأوّل: الصورة الكلّيّة المستوردة في الذهن من الجزئيات و الأفراد الخارجيّة، فترد في الذهن مثلا صور جزئيّة من أفراد للإنسان، و الذهن البشريّ يقشّرها و يطرح مميّزات كلّ فرد عن الآخر، فتبقى صورة كلّيّة قابلة للانطباق على كثيرين، لأنّها منتزعة من كثيرين، و هو جزء موجود في كلّ واحد منها بناء على تصوّرات المنطق الأرسطيّ، و لذا يقال: إنّ الكلّيّ موجود بوجود الفرد، و إذا وجد الكلّ وجد الجزء.