مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٨٤
الخارج عن محلّ الابتلاء، و هو الحكم الماضي الداخل في محلّ الابتلاء، و هو الحكم الفعلي، و لذا لو تعلّق ابتداء علم إجمالي بحكم مردد بين ما مضى وقته و سقط، و ما يكون ثابتا بالفعل، لم يكن منجّزا.
و بالجمع بين هاتين المقدّمتين يظهر أنّ العلم الإجماليّ فيما نحن فيه غير قابل لتنجيز المتأخّر، إذ هل ينجّزه بوجوده الحدوثي أو بوجوده البقائيّ؟ أمّا الأوّل فهو خلف المقدّمة الأولى من أنّ العلم لا ينجّز شيئا متأخّرا عنه بوجوده الحدوثيّ، و إنّما ينجّزه بلحاظ بقائه إلى ذلك الوقت، و أمّا الثاني فهو خلف المقدّمة الثانية من أنّ العلم الإجمالي فيما نحن فيه يكون بوجوده البقائيّ حاله حال العلم الإجماليّ الّذي تعلّق ابتداء بالمردّد بين الماضي و الحاضر، و هو غير منجّز. و إذا لم يكن العلم الإجماليّ قابلا لتنجيز الطرف المتأخّر، فهو غير قابل للتنجيز أصلا [١].
و الجواب: أنّ المقدّمة الأولى و إن كانت صحيحة إلاّ أنّ المقدمة الثانية غير صحيحة، فإنّ قياس العلم الإجماليّ بوجوده البقائيّ - فيما نحن فيه - بالعلم الإجماليّ الحدوثيّ المردّد بين الماضي و الحاضر قياس مع الفارق، و توضيحه: أنّ التحميل الّذي ينشأ من قبل العلم على المكلّف يستحيل أن يتقدّم على نفس المحمّل، و هو العلم، و العلم الإجماليّ الحدوثيّ لو تردّد بين الماضي و الحاضر، و حمّل على المكلّف العمل بالحكم الأوّل قبل حدوثه، لزوم منه تقدّم التحميل على المحمّل الّذي هو العلم. و أمّا فيما نحن فيه فالعلم ثابت في كلا الحالين، و عاصر الحكم الأوّل، و الحكم الثاني، فينجّز الحكم الأوّل، لكونه معاصرا له و عدم لزوم تقدّم التحميل على المحمّل، و ينجّز الحكم الثاني أيضا، لكونه معاصرا له.
هذا و الجواب بهذا اللسان إنّما يناسب مذهب الأصحاب من كون المحذور عقليّا، و لا يناسب مسلكنا، و إن شئت تعميم الجواب قلت: إنّه في العلم الإجماليّ الحدوثيّ المردّد بين الماضي و الحاضر لا معارض للأصل النافي، لاحتمال انطباق المعلوم بالإجمال على الحاضر، لعدم جريان أصل ناف لاحتمال انطباق المعلوم بالإجمال على الماضي، لا بلحاظ زمان الماضي، لعدم معلوم بالإجمال فيه، و لا بلحاظ هذا الزمان، لمضيّ ذلك و خروجه عن محلّ الابتلاء. و أمّا فيما نحن فيه
[١] مضى منّا في بحث الانحلال الحكمي في الردّ على إثبات الاحتياط بالعلم الإجماليّ شرح لعدم قابليّة الجامع بين ما يقبل التنجيز و ما لا يقبله للتنجيز.