مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٤٠
متين في الجملة بناء على تسليم مبنى انحلال العلم الإجمالي المتقدّم بالمنجّز المتأخّر، و لا يبقى العلم الإجمالي إلى الأخير، فليس الدليل وافيا بتمام المدّعى على هذا المبنى.
نعم، بإمكاننا أن نمدّد عمر هذا العلم الإجمالي في الجملة ببيان: أنّه إذا علمنا بمائة تكليف مثلا في تمام الفقه، ثمّ طالعنا الفقه إلى نصفه فوجدنا مائة تكليف، فإنّه سوف لا ينحلّ العلم الإجمالي بذلك، لأنّنا كنّا نعلم بوجود مائة منتشرة في تمام الفقه، و لا نحتمل خلوّ أبواب النصف الأخير من الفقه مثلا من الحكم الإلزاميّ، نعم إذ فحصنا بنحو و بمقدار لا نعلم إجمالا بوجود تكليف إلزامي في الباقي يأتي هذا الإشكال بناء على ذلك المبنى [١].
الأمر الثالث: أنّه إذا وجد في بعض الأطراف أصل غير مسانخ لباقي الأصول، و كان ما عداه مبتلى بالمعارض المسانخ، فهذا العلم الإجمالي لا يؤثّر في إسقاط ذلك الأصل عن الحجّيّة بناء على ما مضى في بحث الملاقي من أنّ الأصل المسانخ يبتلى بالإجمال، و يبقى الأصل غير المسانخ سليما عن المعارض، فمثلا بناء على القول بأصالة الطهارة في الشبهة الحكميّة، إذا شكّ في طهارة شيء بنحو الشبهة الحكميّة، فأصالة الإباحة فيه معارضة بأصالة الإباحة في بقية الشبهات مثلا، و تجري فيه أصالة الطهارة من دون معارض، لأنّ بقيّة الأصول كأصالة الإباحة و الاستصحاب مبتلاة بالمعارض المسانخ.
و الجواب عن هذا الإشكال يكون على مبنانا من تنافي الأحكام الظاهريّة بوجودها الواقعي، فإنّه على هذا المبنى نقول: إنّ بعض الأصول غير جار في نفسه، لوجود الأمارة الملزمة في مورده، و قد اشتبه الحجّة باللاحجّة، فتصل النوبة إلى
[١] و حتّى على غير ذلك المبنى نقول: إنّ العلم الإجمالي بوجود أخبار ثقات إلزاميّة ينحلّ بالظفر بمقدار المعلوم بالإجمال من تلك الأخبار، و العلم الإجمالي بوجود تكاليف واقعيّة ينحلّ بالظفر و لو إجمالا بمقدار المعلوم بالإجمال من تلك التكاليف ضمن مجموع ما وجدناه بالفحص من الأخبار، و ذلك حينما نقطع بمطابقة عدد من تلك الأخبار مساو لذاك المقدار للواقع، فإنّ الانحلال في هذين الفرضيين انحلال حقيقي، لا يبتني على القول بانحلال العلم المتقدّم بالمنجّز المتأخّر، نعم انحلال العلم بالتكاليف الواقعيّة بالظفر بأخبار منجّزة بمقدار المعلوم بالإجمال يتوقّف على ذلك.