مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٥٤
المرتكزة في ذهن العقلاء بحدودها، فبما أنّ الارتكاز العقلائي في الشبهات الحكميّة كان يفصّل بين ما قبل الفحص و ما بعده قلنا في الشبهات الحكميّة بعدم جريان البراءة قبل الفحص، و هذا الوجه يجري في المقام - أيضا - فيثبت لزوم الفحص في الشبهات الموضوعيّة، لما عرفت من أنّ الارتكاز العقلائي يقتضي الفحص حتّى في الشبهات الموضوعيّة، و يجري البراءة بعد الفحص، إلاّ أنّ هذا الوجه إنّما يثبت وجوب الفحص بمقدار ناقص أي: بمقدار ما يساعد عليه الارتكاز العقلائي، و هو المقدار الّذي لا يكون المكلّف معه متهرّبا من التكليف و مغمضا للعين عنه على ما مضى بيانه آنفا عند التكلّم عن البراءة العقلائيّة.
الوجه الثاني: إيقاع المعارضة بين إطلاق البراءة في حديث الرفع و إطلاق المستثنى في البراءة القرآنيّة. و هذا الوجه لا يجري في المقام، لما قلنا في بحث البراءة من أنّ الآيات الدالّة على البراءة تختصّ بالشبهات الحكميّة [١].
الوجه الثالث: إبداء احتمال القرينة المتّصلة: و هي شدّة اهتمام النبي صلّى اللّه عليه و آله بإفناء الشكّ في الشبهة الحكميّة، و هذا الوجه - أيضا - لا يأتي في المقام، فإنّ ظهور حال النبي صلّى اللّه عليه و آله في الاهتمام بإفناء الشكّ إنّما هو بلحاظ الشبهة الحكميّة، لأنّ حال النبي صلّى اللّه عليه و آله إنّما كان بصدد علاج الشبهات الحكميّة، و كان يبيّن لهم الأحكام الكلّيّة، فانعقد من هذه الصيغة ظهور حال في أنّه صلّى اللّه عليه و آله مهتمّ بإفناء تلك الشكوك بدرجة
[١] مضى منه رضوان اللّه تعالى عليه في محله أنّ قوله تعالى: لا يكلّف اللّه نفسا إلاّ ما آتاها يعم الشبهة الموضوعيّة، و إذا كان كذلك فهذا الوجه يجري في المقام أيضا. نعم، إنّ هذا الوجه لا يفيد شيئا أزيد من الوجه السابق، فإنّ الإتيان يعطي عرفا معنى جعله في معرض الوصول إلى المكلّف بحيث لو لم يتهرّب المكلّف من وصوله إليه و لم يغمض عينه عنه كان من الطبيعي وصوله إليه.
لا يقال: إنّه في الشبهة الموضوعيّة قد حصل الإيتاء حتما، لأنّ كبرى التكليف واصلة إليه حسب الفرض.
فإنّه يقال: إنّ الكبرى وحدها غير قابلة للتنجّز و إنّما الّذي يقبل التنجّز هو النتيجة، و لذا لو قطع بعدم الصغرى لم يؤثّر وصول الكبرى تنجيزا عليه كما هو واضح.
فالواجب على المكلّف هو عدم التهرّب من وصول النتيجة إليه و عدم غمض العين عنه و على أيّة حال فقد مضى منّا - في بحث آيات البراءة تعليقا على كلام أستاذنا الشهيد رحمه اللّه - توضيح عدم تماميّة دلالة هذه الآية على البراءة.