مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٧٢
لكنّه في عرض أثره، فإنّ العلم الأوّل علّة لأمرين: أحدهما: التنجيز، و الثاني: العلم الثاني، فهما معلولان في عرض واحد، و تنجيز العلم الثاني يكون متأخّرا رتبة عن العلم الثاني، لكنّه ليس متأخّرا رتبة عن تنجيز العلم الأوّل، لأنّ المتأخّر عن أحد العرضيّين ليس متأخّرا عن الآخر، فتنجّز كلّ من العلمين يكون في عرض تنجيز الآخر، فيصبح كلّ واحد منهما جزء العلّة للتنجيز مثلا.
نعم لو كان العلم الثاني في طول تنجيز العلم الأوّل كان هنا مجال لدعوى عدم تأثير العلم الثاني، كما لو نذر شخص أنّه إذا تنجّز عليه شيء تصدق على فلان، و نسي أنّ من نذر التصدّق عليه هل هو زيد أو بكر؟ ثم علم إجمالا بوجوب التصدّق إمّا على زيد أو على عمرو، فتولّد من هذا العلم العلم إجمالا بوجوب التصدق إمّا على زيد أو بكر، و هذا العلم الإجمالي في طول تنجيز العلم الأوّل، لأنّه علم بملاك تحقّق نذره الّذي هو عبارة عن التنجّز الناشئ من العلم الأوّل، و لكن ما نحن فيه ليس من هذا القبيل.
و أمّا ثانيا، فلأنّ الطوليّة ممنوعة حتى بلحاظ نفس العلمين المنجّزين، لأنّ المنجّز في الحقيقة ليس عبارة عن العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى أو طرفه، و كذلك العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي أو طرف الملاقى، و إنّما المنجّز هو العلم بالتكليف الناشئ من العلم بالنجاسة، و العلمان بالتكليف في عرض واحد، فإنّ العلم الثاني بالنجاسة في عرض العلم بالتكليف، لأنّه ليس معلولا له، بل هما معلولان للعلم الأوّل، و العلم الثاني بالتكليف و إن كان في طول العلم الثاني بالنجاسة لكنّه ليس في طول ما كان في عرضه من العلم الأوّل بالتكليف، لما قلناه من أنّ المتأخّر من أحد العرضيّين ليس في طول الآخر، و ما مع المتقدّم ليس متقدّما.
هذا. و المحقق العراقي رحمه اللّه لا يستفاد من كتابه نفي قانون: أنّ ما مع المتقدّم متقدّم، لكنّه يستفاد ذلك من تقرير بحثه.
و على أيّة حال، فالصحيح هو ذلك. نعم، لو آمنّا بأنّ ما مع المتقدّم متقدّم لا يرد شيء من هذين الإشكالين.
و أمّا ثالثا، فلما مضى في الإيراد على أصل هذا المسلك للانحلال حيث قلنا:
إنّ هذا يتمّ لو كانت نسبة التنجّز إلى العلم نسبة المعلول التكويني إلى علّته التكوينيّة، و ليس الأمر كذلك على ما تقدّم بيانه [١].
[١] تقدّم ذلك لدى مناقشة الأخباريين في الدليل العقليّ للاحتياط.