مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٨٠
طبيعة (ما لا يعلمون) بنحو الإطلاق، لا إلى الأفراد بنحو العموم، و تقييد فرد بحال يستلزم ملاحظة الأفراد في المرحلة السابقة، و ذلك خلاف الظاهر. نعم، لا يأتي هذا البيان في مثل قوله: (كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه النهي) و قوله: (كلّ شيء لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه) لو صحّ الاستدلال بهما في أنفسهما.
هذا، و لكن لا يخفى أنّ هذا الجواب الّذي بيّنّاه إنّما يأتي على شبهة التخيير، بحسب اللسان الّذي بيّنوه في مقام بيان الشبهة، من تصوير إطلاقين أفراديّين، و لكن من الممكن دعوى التخيير، بأن يرجع التقييد ابتداء إلى الطبيعة، بأن يقال: إنّ الشيء المحكوم عليه بالحلّ أو الرفع مقيّد بقيدين: أحدهما: ما صرّح به في الكلام، و هو عدم العلم التفصيليّ بالحرمة، و الآخر: ما استفيد بحكم العقل مثلا، و هو عدم طرفيّته لعلم إجماليّ يرتكب طرفه الآخر، و عليه تعود شبهة التخيير.
إلاّ أنّ هذه الشبهة لو عادت فإنّما تعود بلحاظ حديث الحلّ. أمّا القسمان الآخران فقد عرفت جوابا آخر عن الشبهة فيهما.
و هذه الشبهة إنّما تعود بلحاظ حديث الحلّ على تقدير كون المراد بالشيء في حديث عبد اللّه بن سنان الكلّيّ، لكن من المحتمل كون المراد به الكلّ، و إذا كان المراد ذلك فما بيّنّاه في تقريب عدم استفادة التخيير ثابت على حاله، و يكفينا الإجمال.
إلاّ أنّ الإنصاف عدم الإجمال في الحديث، و أنّ الظاهر منه إرادة الكلّيّ لا الكلّ، فإنّه لا يرى في إطلاق الشيء على كلّيّ الجبن أو الخبز أو غيرهما عناية، في حين أنّ جعل مجموعة أشياء فردا للشيء، بأن يكون أفراده في قوله: (كلّ شيء) عبارة عن مجاميع، كما هو فرض إرادة معنى الكلّ لا عن أجناس مثلا كما هو فرض إرادة معنى الكلّيّ، تكون فيه عناية و مئونة، و لا يعارض هذا بدعوى أنّ الظرفيّة المستفادة من قوله: (فيه) إنّما تناسب ظرفيّة المركّب للأجزاء، لا الكلّيّ للأفراد، لثبوت العناية و المئونة في ظرفيّة الكلّيّ للأفراد، فإنّ هذا ممنوع، و ظرفيّة الكلّيّ للأفراد أيضا أمر عرفيّ.
فتحصّل: أنّ شبهة التخيير لا زالت مستحكمة بلحاظ حديث الحلّ. فإن لم نجد حلاّ لها بمقتضى القواعد، و استحكمت بلحاظ أدلّة البراءة العامّة، انحصر الطريق لإبطال التخيير بالتمسّك ببعض الأخبار المتفرّقة الواردة في موارد العلم الإجماليّ في الشبهة المحصورة الدالّة على عدم جواز المخالفة الاحتماليّة، كما ورد