مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٦٣
أقول: إنّ الصحيح - بحسب الإطار الفكري الّذي يعيشه هذان العلمان - هو ما أفاده المحقّق العراقيّ، لا ما أفاده المحقّق النائينيّ.
و ما أفاده المحقّق النائينيّ مشوّش بناء، و مفرّع عليه ما لا يناسبه، و ما أفاده المحقّق العراقيّ غير مشوّش بناء، و مفرّع عليه ما يناسبه.
لكنّنا نقول: إنّ الفرق بين جعل البدل و جعل البراءة ليس إلاّ فرقا لسانيّا، و إنّ التعبير تارة بهذا و أخرى بذاك تفنّن في العبارة، و لا يرتبط ذلك بفرق جوهريّ بين الأصول، و إنّما روح الحكم الظاهريّ في الجميع يرجع إلى درجة اهتمام المولى بغرضه الواقعيّ عند الشكّ، فلو لم يهتمّ بغرضه إلى درجة يكلّف العبد كلفة إعادة العمل عند الشكّ في صحّة عمله، رخّص العبد في ترك الإعادة، إمّا بلسان: لا تعد، و إمّا بلسان: بلى قد ركعت مثلا، أ فهل ترى أنّه لو قال: بلى قد ركعت، فهذا ليس تحدّيا لحكم العقل، لأنّه عبدنا بحصول الامتثال، و لو قال: لا تعد [١] كان ذلك تحدّيا لحكم العقل، لأنّه رخّص من دون التعبّد بذلك؟.
نعم، مثل هذه التفرقة بين اللسانين ليس غريبا على أصول كانت تفرّق بين لسان جعل الكاشفيّة و لسان إيجاب الاحتياط، فترى أنّ موضوع قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) يرتفع بوضوح بجعل الكاشفيّة، و لكن تشكل كيفيّة تصوير ارتفاعه بمجرّد إيجاب الاحتياط، لأنّ المفروض أنّ الشارع لم يجعل البيان.
و الحاصل: أنّه لا فرق - بحسب الروح و الجوهر - بين أن يرخّص المولى بلسان جعل البدل، و التعبّد بحصول الامتثال، أو يرخّص بلسان جعل البراءة. و اعتراف المحقّق العراقيّ بإمكان الأوّل اعتراف ضمنيّ منه بحسب وجدانه بإمكان الثانيّ، فتحصّل أنّ نقض المحقّق النائينيّ يكون - و بحسب الواقع - واردا عليه.
هذا. و للمحقّق العراقيّ نقضان في المقام:
الأوّل: نقض موجود في تقرير بحثه، و لم يذكره في مقالاته، و هو أنّه بعد أن فرّق بين العلم التفصيليّ و العلم الإجماليّ في التنجيز، كما سلّم الخصم بذلك، يلزم من عدم علّيّة العلم الإجماليّ لوجوب الموافقة القطعيّة و جواز إجراء الأصل في
- عن جعل الطرف الآخر بدلا، بناء على أنّ جريان الأصل لا يتصوّر إلاّ مع حفظ الامتثال التعبّديّ القطعيّ.
>[١] و لم يكن ذلك كناية عن معنى: بلى قد ركعت.