مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٦٢٧
المفروغ عن وجودها.
التقريب الثاني: أن يقال: إنّ القرينة على تركيبيّة النفي هي ظهور الدليل في الامتنان.
و توضيحه: أنّ هذه القاعدة باعتبار كونها امتنانيّة لا تكون إلاّ بمعنى جعل الضرر مانعا عن التشريع، و كون التشريع لو لا الضرر ثابتا، و أمّا لو فرض أنّ التشريع غير ثابت من باب عدم الاقتضاء فمثل هذا لا يكون فيه امتنان على الناس، فظهوره في الامتنان مساوق لظهوره في مانعيّة الضرر عن التشريع، و هذا الظهور مساوق للمفروغيّة عن وجود التشريع لو لا المانع، و بكلمة أخرى: أن دليل (لا ضرر) ورد في مقام إنشاء شرط عامّ في التشريع، و هو عدم الضرر، أو عبّر بإنشاء مانع عامّ عن التشريع، و هو الضرر، فحاله حال أدلّة الشرائط و الموانع من قبيل «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» و «لا تصلّ فيما لا يؤكل لحمه» و غير ذلك من أدلّة المانعيّة التي تكون لها حكومة و نظر إلى دليل الحكم الممنوع.
التقريب الثالث: أنّه لو كان يحتمل - بغض النّظر عن بيان المولى - أنّ المولى سوف يجعل أحكاما ضرريّة فقط و كانت القاعدة متصدّية لرفع هذا الاحتمال لم تكن القاعدة ناظرة إلى وجود الشريعة، لأنّ عدم جعل تلك الأحكام يكون أعمّ من وجود الشريعة و عدمها، و لكن من البديهي أنّه ليس من المحتمل ذلك، و هو جعل أحكام تكون كلّها ضرريّة دائما، فالتصدّي لرفع هذا الاحتمال لغو، و إنّما المحتمل في شأنه أنّه حين يشرّع أحكاما فقد يجعلها أحيانا ضرريّة، فالقاعدة إنّما تنفي الضرر في مقابل هذا الاحتمال، و هو أن يجعل تشريعاته بنحو تسري إلى حالة الضرر، إذن فقد فرض في المقام أصل التشريع.
و يرد على هذا التقريب: أنّنا و إن لم نحتمل ضرريّة تمام الأحكام الشرعيّة، لكنّنا نحتمل - بغضّ النّظر عمّا مضى في الوجه الأوّل و الثاني من ارتكازيّة الشريعة أو امتنانيّة القاعدة - عدم أصل الشريعة و عدم مقتض لها، و هذا الاحتمال لا يخالف القاعدة بما هي هي، فكيف يثبت نظرها إلى الأحكام الأوّليّة؟ و بكلمة أخرى: أنّه ليس الأمر دائرا بين كون الأحكام مشتملة على الضرري و غير الضرري، و كونها جميعا غير ضرريّة حتّى يقال: إنّ القاعدة تكون بصدد نفى اتّصاف الأحكام أحيانا بالضرريّة و قد فرغ فيها عن أصل الحكم، بل هنا احتمال ثالث و هو عدم الحكم رأسا، و لا بدّ في إثبات الفراغ في القاعدة عن أصل الحكم من