مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٦٢٢
إذ بعد التحليل وصلنا إلى رفع الموضوع.
أقول: إنّ تمام هذا الكلام قابل للمناقشة:
أمّا ما ذكر من أنّ الفرق بين التخصيص و الحكومة: هو أنّ القرينيّة في التخصيص عقليّة، و في الحكومة تكون بالدلالة العرفيّة فغير صحيح.
و التحقيق: أنّ الدلالة في كليهما عرفيّة، و إنّما الفرق بينهما: هو أنّ قرينيّة الحاكم تكون بظهور عرفي لنفس الحاكم في القرينيّة و المفسّريّة للمحكوم، و قرينيّة المخصّص تكون بظهور عرفي لسياق مجموع الكلام من المخصّص و المخصّص إذا كان أحدهما متّصلا بالآخر - و يقصد بالظهور السياقي الظهور الناشئ من نسبة بعض أجزاء الجملة إلى بعض من حيث التقديم و التأخير أو التخصيص و التعميم أو غير ذلك - فلو قال المولى: (أكرم كلّ عالم) و (لا تكرم النحويين) فمقتضى الظهور السياقي كون قوله: (لا تكرم النحويين) هو القرينة على التصرّف في (أكرم كلّ عالم)، و باعتبار اتّصال المخصّص بالكلام لا ينعقد ظهور للكلام في العموم، و أمّا إذا كان أحدهما منفصلا عن الآخر، فلو كان في كلام من يكون الانفصال في كلامه بحكم الاتّصال، كما هو الحال في الشارع الأقدس على ما سوف يأتي في محله - إن شاء اللّه - من أنّه جرت عادة الشارع الحكيم على الفصل بين أشياء من هذا القبيل، و أنّ وظيفتنا هي اعتبار الفصل بين كلماته كلا فصل، و فرض الجمل المنفصلة في كلامه ككلام متّصل بعضه ببعض، فأيضا يكون تقديم المخصّص على أساس ما له من قرينيّة سياقيّة لو كان متّصلا، فيقدّم المخصّص على العامّ و تنهار به حجيّة العموم، لا أصل الظهور في العموم، لكونه منفصلا بالفعل.
و أمّا لو كان في كلام إنسان عادي ليس مبناه على الفصل بين المتّصلات، فهنا ننكر الجمع بين العامّ و الخاصّ بالتخصيص رأسا، بل يكونان كلامين متعارضين و متنافيين، كما سوف يأتي - إن شاء اللّه - في محلّه، و إن كان يتراءى في بادئ النّظر هذا شيئا عجيبا يصعب قبوله باعتبار أنس ذهننا بما قرأناه في الكتب الأصوليّة من كون التخصيص جمعا مقبولا عند العرف.
و السرّ في المعاملة معهما معاملة المتعارضين و عدم كون الجمع بينهما عرفيّا:
هو ما عرفت من أنّ الظهور في القرينيّة إنّما كان مستفادا من السياق، و المفروض انتفاء السياق بالانفصال بين الجملتين، و هذا بخلاف باب الحكومة، فالحاكم سواء كان متّصلا أو منفصلا يقدّم على المحكوم، فعند الاتّصال يهدم الظهور، و عند