مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٦٠٩
و المحقّق النائيني قدّس سرّه تعرّض - أيضا - إلى ذكر التهافت الّذي أشرنا إليه أخيرا و حللناه من التفرقة بين من رغب في المعاملة الغبنيّة و من رغب في الغسل أو الوضوء مع الضرر، و ذكر قدّس سرّه في مقام حلّه: أنّ الفرق نشأ من ناحية أنّ الإرادة في مثال المعاملة الغبنيّة فوق الحكم و لا تكون مقهورة له، و في مثال الغسل و الوضوء يكون تحت دائرة الحكم و في مرحلة الامتثال، فهي مقهورة للحكم«».
و هذا الجواب لا محصّل له، و كأنّه نشأ من ضيق الخناق، فإنّه إذا كانت له في ذاته رغبة إلى العمل فأيّ معنى لفرض إقدامه و إرادته مقهورا تحت الحكم؟ ثمّ إنّ ظهر لك الضابط للإقدام الّذي يكون مانعا عن جريان (لا ضرر) تعرف عدم صحّة ما ذكر في المقام من عدم جريان (لا ضرر)، لأجل الإقدام في جملة من الفروع: منها ما مضى من مسألة الإقدام على الجنابة مع العلم بمضريّة الغسل، و منها مسألة من استعار، أو استأجر أرضا، أو خشبة فزرع الأرض، أو وضع الخشبة في بناء بيته ثم انتهى وقت الإجارة، أو العارية فطالب بها صاحبها، و كان ردّها إليه مستلزما لخراب الزرع أو البيت.
- بالشراء و بلزوم العقد من طرف البائع، و لا رغبة له في لزوم العقد من طرفه، و إنّما أقدم على هذا اللزوم من باب أنّ اللزوم من هذا الطرف و اللزوم من ذاك الطرف متلازمان، و الرغبة لا تسري من أحد المتلازمين إلى الآخر، فإنّ الرغبة لا تسري من شيء إلى شيء آخر بالتبع، إلاّ بنكتة المقدّميّة، فتسري الرغبة من أحد المتلازمين إلى علّته، و لا تسري إلى ملازمه ابتداء و لا بواسطة العلّة، لأنّ سريانه إلى الملازم الآخر بواسطة العلّة يعني سريان الرغبة من العلّة إلى المعلول، و قد قلنا: إنّ هذا لا يكون، أو قل: إنّ إبطال الشريعة لأحد المتلازمين لا يوجب بطلان المتلازم الآخر، فإذا كان المطلوب بالذات هو المتلازم الآخر لم يكن إبطال المتلازم الأوّل خلاف الامتنان، و على أيّة حال فمن الواضح أنّ جريان (لا ضرر) في المقام لرفع اللزوم من طرف المغبون امتناني، فإذا كان السبب في اشتراط قاعدة (لا ضرر) بعدم الإقدام على الضرر هو امتنانيّة القاعدة، فهذا لا يوجب عدم جريان (لا ضرر) في المقام.
نعم، يمكن تبرير عدم جريان (لا ضرر) في البيع الغبني لمن دخل فيه عالما عامدا بوجه آخر و هو: أنّ الشرط الضمني الارتكازي يقتضي في المقام عدم الخيار للمغبون على الغابن، أي:
أنّ الغابن دخل في هذه المعاملة بناء على كونها معاملة مستقرّة، و لعلّه لم يكن يقبل بها لو كان يعلم أنّ صاحبه سيفسخ، و هذا الشرط الارتكازي يعطي في نظر العقلاء في مورد علم المغبون بالغبن حقّا للغابن في اللزوم.