مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٨٤
النكتة الأولى: أنّه إذا فرض أنّ فردا من أفراد الضرر اليوم لم يكن موجودا في عصر الشارع، لكنّه كان واجدا لنكتة أحد الحقوق العقلائيّة آنئذ، أي: أنّ العرف و العقلاء في ذلك الوقت و إن لم يلتفتوا إلى هذا الفرد لعدم وجوده، لكنّهم كانوا يرون المفهوم بنحو يشمل هذا الفرد، فلو عرض عليهم هذا الفرد و التفتوا إليه لحكموا بثبوت الحقّ العقلائي فيه، و كون مخالفته ضررا، فدليل (لا ضرر) شامل لمثل ذلك، فإذا سلّم أنّ حقّ الطبع الثابت في زماننا هذا للمؤلف مثلا مشمول لنكتة المالكيّة بالحيازة الثابتة - وقتئذ - ثبت هذا الحقّ بقاعدة (لا ضرر)، فالعبرة إنّما هي بسعة دائرة النكتة العقلائيّة للحقّ، و الضرر في ذلك الزمان و ضيقها، لا بما هو المصداق الفعلي لذلك وقتئذ.
النكتة الثانية: أنّه عن د الشكّ في ذلك، و أنّ الحقّ الكذائي كان ثابتا في عصر الشارع أو لا لا نحتاج إلى إثبات شواهد تاريخيّة مثلا على الثبوت في ذلك العصر - و هذا ما يتعذّر و يتعسّر غالبا - بل يكفي إجراء أصالة الثبات في اللغة، لما عرفت من أنّ الارتكاز العرفي المعاصر يعطي ظهورا للفظ على أساس الإطلاق اللفظي أو المقامي.
و بما ذكرناه تنحلّ عقدة نفسيّة في الفقه الشيعي ابتلي بها الفقه السنّي قبل الفقه الشيعي فحلّها بالمصالح المرسلة و نحو ذلك، ثمّ ابتلي بها الفقه الشيعي، توضيح ذلك: أنّ العامّة حيث انتهى عصر النصوص عندهم بموت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله وقعوا في حيرة من ناحية المسائل المستجدّة و تطوّر الزمن، و أراحوا أنفسهم بفتح باب مثل المصالح المرسلة. و الشيعة كانت تؤمن بأنّ النصّ الوارد عن الإمام عليه السلام كالنصّ الوارد عن النبي صلّى اللّه عليه و آله فلم يبتلوا بذلك في زمان الأئمة عليهم السّلام، و لكنّهم ابتلوا في عصر ما بعد الأئمة عليهم السّلام، و أخيرا توصّلوا إلى ما هو في الحقيقة إشباع لهذا النقص الفعلي، و هو التمسّك بالسيرة العقلائيّة، و تعارف الاستدلال بها أخيرا في زماننا حتّى أنّه قيل: إنّها دليل خامس من أدلّة الأحكام الشرعيّة. و قد مضى منّا بحث مفصّل عن السيرة العقلائيّة، و بيّنا أنّها إنّما تفيد لو ثبتت معاصرتها لزمان المعصوم عليه السّلام، و ذكرنا ضوابط لإثبات المعاصرة، لكنّها لا تشمل عدا مقدار قليل من السير العقلائيّة. و نقول هنا: إنّ هذه التطوّرات الزمنيّة إنّما تؤثّر غالبا في الأمور المعامليّة و القوانين الاجتماعيّة، فإنّها هي التي تتطوّر بمرور الزمن، و يمكن حلّ المشكلة فيها بإبداء احتمال أنّها و إن لم تكن موجودة في زمن الشارع بمصداقها، لكنّها لعلّها كانت موجودة بنكتتها، و أنّ هذه