مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٨
النائينيّ [١] رحمه اللّه - و إن لم يذكره بهذه الصورة - هو أنّ العلم الإجماليّ علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعيّة، لأنّه لا يمكن الترخيص فيها من قبل الشارع، إذ الترخيص فيها يكون ترخيصا في المعصية، و هو مقتض لوجوب الموافقة القطعيّة، لا علّة تامّة له، لأنّه يمكن الترخيص في بعض الأطراف من قبل الشارع، إذ ليس الترخيص في بعض الأطراف وحده ترخيصا في المعصية.
و أنت ترى أنّ الدليل المذكور في ذلك على المدّعى لا يرجع إلى محصّل، و إنّما هو تكرار للمدّعى بعبارات أخرى مع شيء من الاختلاف عن مفهوم المدّعي، و لعلّه قدّس سرّه لم يكن يقصد الاستدلال على مدّعاه، و إنّما كان يقصد شرح المدّعي و تنبيه الوجدان تجاهه مثلا.
و على أيّة حال، فلو كان المقصود هو الاستدلال على المدّعى بما عرفت، و رد عليه: أنّ المعصية بالمعنى الّذي لا يجوز للمولى الترخيص فيها - أيّا كان معناها اللغويّ - عبارة عن مخالفة حقّ المولى و ظلمه بترك ما تنجّز علينا من قبله، فلا بدّ أن نرى أوّلا أنّ تأثير العلم الإجماليّ هل هو تنجيزيّ، و غير معلّق على عدم مجيء الترخيص، أي: أنّ حقّ المولويّة يكون ثابتا بلا تعليق على ذلك أو أنّه معلّق عليه؟.
فإن قيل بالأوّل، كان الترخيص في المخالفة ترخيصا في المعصية، فلم يجز مجيء الترخيص من قبل المولى. و إن قيل بالثاني لم يكن الترخيص في المخالفة ترخيصا في المعصية، فجاز مجيء الترخيص من قبله، فلا معنى للاستدلال على التنجيزيّة و الاقتضاء بعدم جواز الترخيص من قبل المولى، لكونه ترخيصا في المعصية، أو جوازه، لعدم كونه ترخيصا في المعصية، بل لا بدّ أن نعرف أوّلا أنّ تأثير العلم الإجماليّ هل هو بنحو التنجيز أو الاقتضاء، ثمّ نفرّع على ذلك أنّ الترخيص في المخالفة ترخيص في المعصية أو لا، و إذا وصلت النوبة إلى النّظر ابتداء في أنّ تأثير
[١] و الّذي استخلصه من كلمات المحقّق النائينيّ رحمه اللّه هو أنّ السرّ في عدم علّيّة العلم الإجماليّ لوجوب الموافقة القطعيّة، مع كونه علّة لحرمة المخالفة القطعيّة، هو أنّ العلم لا يتطلّب أكثر من الامتثال الجامع بين الامتثال الوجدانيّ و التعبديّ، و إذا فرض الترخيص في المخالفة القطعيّة، فقد الامتثال بكلا وجهيه. أمّا لو رخّص في بعض الأطراف فهذا يعني جعل الطرف الآخر بدلا عن الواقع، و هذا يعني تماميّة الامتثال التعبّدي. راجع فوائد الأصول:
ج ٤، ص ٦٢.